في يوم الغفران لا تتم الإشارة الى أحد أكثر الخطايا انتشاراً: عادة ضرب طلب الصفح على صدر الآخرين. وقد جسّدت غولدا مئير الصيغة السياسية لهذه العادة بقولها أنها لن تصفح عن الفلسطينيين لأنهم أرغمونا على قتلهم. هذه العادة العائمة منذ عشرات السنين على أنهار الدم تستمر حتى بعد أن وعد رئيس الحكومة في أول أيام التوبة العشرة، أنه سيتخذ خطوات عملاقة للتوصل الى تسوية هذا العام.

لا يوجد أي فعل إرهابي يمكنه تبرير التراجع المقصود من قبل آرييل شارون. فالتهديد الفلسطيني لحياة إسرائيليين يشكل سبباً لتسريع التسوية، وليس لتعليقها لذرائع واهية. فبعد أن خرج من غزة من دون شروط، يوجه رئيس الحكومة أصابع الاتهام الى الفلسطينيين محملاً إياهم مسؤولية الجمود السياسي لأنهم لا يستجيبون لمطالبه، مثل الإفراج فقط عن عشرين معتقلاً ممن تورطوا مباشرة في العمليات، كما لو أن مواصلة احتجاز المزيد من الأسرى ستصدّ فضيحة سقوط صواريخ القسام على سديروت. هذا الإسفاف إزاء الفلسطينيين يُعتبر قصة طويلة تعود أيامه الى أيام الحديث معهم. لكن في حالتين فقط، مع مناحيم بيغن وإسحاق رابين، عرف رئيس الحكومة كيف يخرج عن الانحراف المتبادل للرفض، وهكذا نرى أن اتفاق أوسلو الثوروي آخذ في الانغراس في الذاكرة القومية كإخفاق تاريخي.

إن الإنجاز الذي حققه شارون هذا العام حصل عندما أثبت أنه يمكن التغلب على ضجيج الخلاصات الإسرائيلية والتحصّن في سلطته على الرغم من أنه لعب في هذا الشأن ضد كل قواعد السياسة الداخلية. بيدَ أن من يرى فيه أنه يفتح الطريق أمام الانطلاقة مرغم على ملاحظة الميزة التقليدية التي تواصل إملاءها لسلوكه. فالإرهاب ضعف، وشبح عرفات زال، مئات آلاف الفلسطينيين يعانون، أغلبية الشعب تريد التسوية، لكنه كعادته القديمة عاد للقيام بما قامت به غولدا والمطالبة بمكافأته.

فهو نجح في التخفيف من حدة المعارضة في الليكود، وها هم المتمردون يصطفون تقريباً لطلب المغفرة. وفي حزب العمل تبذل جهود للبقاء معه داخل الحكومة الى حين الانتخابات. وهذا الأسبوع خرج من حزب العمل أحد أفضل أعضائه في الكنيست، بايغا شوحط، وسيحل مكانه أحد المدانين بالفساد. لم يشهد عهد ما بعد العام 67 زعيماً، سوى بيغن في أوجه، استطاع مثل شارون تنفيذ تصوره السياسي، هذا إذا كان له فعلاً مثل هذا التصور. وبدل الكف عن التنكيل بالزعيم الفلسطيني وفتح مسار وطني مغاير، ها هو يتخبط بشعاراته المعفرة بالغبار. ما يسهل الأمور عليه هو الرئيس الأميركي الذي ربما لم تشهد الولايات المتحدة تائهاً مثله خلال القرن الماضي. فبينما يتباهى مدير مكتب شارون بتأييد بوش له، يظهر الأخير أمام شعبه وأمام النخبة المثقفة من المحافظين الجدد، كعكاز مبتور. هكذا يستطيع شارون أن يدوس خطة خارطة الطريق من دون التوقف على إشارة الضوء الأميركية.

إذاً عاد الزعيم الى طريق الكذب وأدار ظهره لوعود العيد التي أطلقها، فتكفي الخبرة التي راكمناها كي نعلم أن هذا الأمر يشكل علامة للعودة الى المسار الدامي. هذا المساء سنقول: مبارك أنت يا رب، يا صانع السلام؛ لكن ليس مع شارون القديم.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)