في العقود الماضية، ولا أقصد العقود البعيدة، درجت في سورية ظاهرة النشاطات والمهرجانات الثقافية الأهلية، الممولة من قبل أشخاص مهمومين بالثقافة، أو الممولة عن طريق الإعلان لبض الشركات الاقتصادية. ولئن كانت بعض هذه الشركات تحسب بدقة أين ستذهب بمالها، إلا أنها تتجاوز بعض حساباتها الدقيقة وتمول أنشطة ثقافي إن استمرت فإنها سوف ترسي أسساً لمشروع ثقافي نطمح إليه. على أن بعض القائمين على هذه الأنشطة قد لا يملكون نفساً طويلا، فيتوقف النشاط دون سابق إنذار، كما حدث في النشاط الثقافي الذي يقام بمناسبة ذكرى رحيل المسرحي العالمي سعد الله ونوس، وبعضها ما زال يناطح الصخر في سبيل الاستمرار، ولا زال مستمراً حتى تاريخ كتابة هذه المادة، وأقصد هنا مهرجان السنديان، الذي أطلقه في دورته الأولى الشاعر الراحل محمد عمران، واستلم من بعده شعلة المهرجان ابنته الشاعرة رشا عمرا، والمبدعين في التصوير أو الفن التشكيلي أو المهمومين بالثقافة من أهالي قرية الملاجة مسقط رأس محمد عمران، بالإضافة إلى المهرجانات الأهلية والرسمية في آن التي تقيمها مديرية ثقافة الرقة سواء على صعيد المسرح أو الشعر، أو الرواية، وقد استطاعت الرقة عبلا مهرجان عبد السلام العجيلي للرواية، وقد عقدت هذا العام دورته الثالثة، وعبر استضافتها لخيرة الأسماء النقدية والإبداعية، وعبر استمرارية المهرجانات التي تقيمها على مدار السنة أن تتحول إلى عاصمة الثقافة في سورية، وبالطبع هذا منوط بالقائمين على مديرية الثقافة، ومجموع المثقفين في الرقة الذين لا يبخلون بمالهم وجهدهم، ومهرجان الرقة تمول وزارة الثقافة جزءاًً منه وباقي التمويل هو تمويل أهلي.

ويلاحظ في المهرجانات الثقافية، أن الإقبال على ال مهرجانات الأهلية أكبرمن تلك الرسمية، فالحضور لمهرجان السنديان الشعري قد ينوف عن الألفين، هذا بالإضافة إلى طبيعة الأسماء المدعوة للمشاركة في المهرجانات الأهلية التي لا تكون المحسوبيات هي المتحكمة بالدعوات كما يحصل في المهرجانات الرسمية، والتي يحاول من خلالها من هو في موقع القرار للدعوة أن يدعو ذاك الذي يضمن له دعوة مقابلة إلى بلده، بغض النظر عن أهليته للمشاركة في المهرجان.

بعد كل ما تقدم تبادر السؤال سريعاً:

جهاد الزغبي

المهرجانات الثقافية الرسمية والأهلية هل ثمة تكامل بينهما أم قطيعة؟ وللإجابة على هذا السؤال استضافت إيلاف الفنان جهاد الزغبي مدير المسارح في سورية سابقاً، والذي كان مديراً لمهرجان دمشق المسرحي في دورته عام 2006حيث قال:

سؤال صعب، للإجابة عليه نحتاج إلى بحث نقدي طويل متعمق في البدايات والمنطلقات التي انطلقت منها المهرجانات الرسمية من والتي أطلقتها وزارات الثقافة في الوطن العربي في فترات زمنية مختلفة. لقد نهلنا من هذه المهرجانات الثقافية لعقود عدة في البدايات وتجديداً في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. لقد انطلقت هذه المهرجانات لأسباب مختلفة. فمثلاً: مهرجان دمشق للفنة، المسرحية انطلق كردة فعل على هزيمة حزيران عام 1967. وقد أطلقت هذه المهرجانات عدة أسئلة هامة في تلك المرحلة، كذلك اعتمدت على مثقفين لهم أسماؤهم وهمومهم وطروحاتهم في عالم الثقافة، كذلك أطلقت أسماء جديدة هامة وأخص بالذكر مهرجان دمشق للفنون المسرحية الذي هو أقدم مهرجان في الوطن العربي. ولكن فيما بعد ومع تبدل الخارطة السياسية على مساحة الوطن العربي وتحديداً فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي بدأت هذه المهرجانات تفقد رونقها ومضمونها، وتتجه نحو أهداف لها علاقة بالشكل فقط، وذلك لتفريغها من مضمونها الثقافي وأقيمت مهرجانات لها طابع المنوعات، حيث يقدم فيها المطربون والألعاب الرياضية إلى جانب الفعاليات الثقافية مما أدى إلى توقف مهرجان دمشق المسرحي في تلك الفترة حيث لم يرض القائمون عليه أن يفرغوه من مضمونه الثقافي.

لقد تحولت المهرجانات الثقافية الرسمية قي العقد الأخير من القرن العشرين إلى مهرجانات دعائية وإعلامية، فبدأت تستضيف نجوم التلفزيون والسينما الشائعة، كذلك أصبحت بالنسبة للمشاركين فيها فترة نقاهة، وإلى العاملين فيها فرصة للهبش المادي.

أمل المهرجانات الأهلية فما زالت في بدياتها، وهي تحتاج إلى دعم مادي بالدرجة الأولى، إضافة إلى أنها قائمة على أشخاص يعملون في الحقل الثقافي، وقدراتهم المالية ضعيفة جداً، ولا يملكون الحد الأدنى من البنية التحتية. مع أن الدولة بدأت تشجع هذه المهرجانات ضمن توجهها في مشاركة المجتمع في بناء الدوة بهدف تخفيف الأعباء المادية عنها.

وحين كنت مديراً للمسارح في وزارة الثقافة طرحت مسألة دعم هذه المهرجانات، كمهرجان المونودراما الذي يقيمه البيت العربي للموسيقا في محافظة اللاذقية، ومهرجان الهواة الأول في دمشق، ومهرجان المزرعة الثقافي في محافظة السويداء، كذلك أسست لمهرجان الشباب الأول في وزارة الثقافة بناء على توجيهات وزير الثقافة، وهو مهرجان يدعم الهواة في المحافظات. لكن هذا الدعم لم يتعد حدود المساعدة في البنية التحتية فقط، أي تقديم صالة المسرح مع تجهيزاتها التقنية والتسريع في الإجراءات الإدارية. مع أن وزارة الثقافة رعت هذه المهرجانات، لكن المشكلة أن هذه المهرجانات تقام بجهود فردية دون وجود قوانين تحميها وقواعد تحافظ على استمراريتها من قبل الجهات المعنية وبالتحديد وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، لذا يمكن أن تتوقف هذه المهرجانات في أية لحظة. ولو توفر لها الإمكانات المادية والتقنية لكانت فعلاً ثقافياً هاماً، لأنها تقوم بحرية تامة بعيدة عن القوانين التي تحكم المهرجانات الرسمية، وتهدف إلى إقامة فعل ثقافي يحمل الحد الأدنى من احترام العقل والإنسان. ودعم المهرجانات الأهلية بسيط جداً، فلو أن الدولة قدمت ما تصرفه على ضيوف المهرجانات الرسمية فقط لاستطاعت أن تقوم على قدميها وفعلت الكثير في الحركة الثقافية، فكيف لو أن الدولة ألغت المهرجانات الرسمية ودعمت الأهلية؟

أعتقد أن نصف المبالغ التي تصرفها على المهرجانات الرسمية تكفي لإقامة عدد لا يستهان به من المهرجانات الأهلية. فالفعل الثقافي الحقيقي لا تبنيه إلا المؤسسات الثقافية الأهلية التي تبحث عن ثقافة ذات هوية أصيلة تهدف لصون كرامة الإنسان وعن طرق للتعبير الثقافي نابع من خصوصيتنا أولاً

لهذا لا نستطيع أن نقول بأن المهرجانات الثقافية الأهلية والرسمية متكاملة، فلكل منها توجهه الخاص به، بعد أن ضاعت المهرجانات الثقافية الرسمية في أروقة السياسة من جهة، ولعدم وجود رؤية عند القائمين عليها من جهة ثانية.

كذلك لا نستطيع أن نقول قطيعة، فالمهرجانات الأهلية تحتاج إلى دعم الجهات الرسمية المادية والمعنوية والتقنية كي تقوم. إنه مشروع ثقافي يبنى بالتعاضد والتكامل بين المثقف والدولة.

رشا عمران

أما الشاعرة رشا عمران، مديرة مهرجان السنديان الأهلي فقالت: ثمة قطيعة شبه كاملة بين المهرجانات الأهلية في سوريا، وتلك التي تنظمها المؤسسات الثقافية الرسمية، القطيعة أساساً هي بين المهرجانات الأهلية والمؤسسات الرسمية، على الأقل بما يخص مهرجان السنديان. فمنذ دورته الأولى _ وهو بالمناسبة المهرجان الأهلي الأول الذي انطلق في سوريا فبل إحدى عشرة عاماً_ والمهرجان بعيد كل البعد عن المؤسسة الثقافية الرسمية، سواء في الرعاية أو التمويل، إلا في بعض السنوات حيث قامت وزارة الثقافة السورية بصرف مبلغ رمزي كدعم للمهرجان. هذه القطيعة انعكست أيضاً على العلاقات بين المهرجانات الأهلية، إذ لم يسبق أن تم في سوريا التنسيق بين هذه المهرجانات سواء في التوقيت أو الدعوات أو المشاركة في التنظيم والتمويل.

السبب يتعلق بالكثير من التفاصيل الخاصة بالوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي السوري. وتأثير هذا على العلاقة بين أفراد المجتمع السوري عموماً والوسط الثقافي السوري بانقساماته بين المنتمي للمؤسسة الرسمية والخارج عنها. بكل الأحوال بالنسبة لي كمنظمة لمهرجان السنديان أرى أن القطيعة مع المؤسسات الرسمية يجب أن تحدث بما يخص الإشراف والتنظيم، فكلما ألغي دور المؤسسة الرسمية في الإشراف نجحت المهرجانات، وتمكنت من الاستمرار والتطور، ولكن بالمقابل يجب أن يخصص من ميزانية هذه المؤسسات ما يختص بدعم هذه المهرجانات والتجمعات الأهلية والمدنية لتستمر. فلا يعول على أي إنتاج ثقافي يعتمد على المؤسسة الرسمية فقط.

الثقافة المؤسسة لمستقبل ما هي القائمة على أكتاف المجتمع الأهلي لا الرسمي والحزبي والديني.

مصادر
ايلاف