Shabakat Voltaire

تقدم في دمشق.. مراوحة في القاهرة ......عريب الرنتاوي

+

في توقيت متزامن ولا يخلو من الدلالة ، شهدت دمشق سلسلة من الاجتماعات والحوارات الفلسطينية السورية والفلسطينية - الفلسطينية خلال الأيام القليلة الفائتة ، فيما كانت القاهرة تعلن عن سحب مبادرتها للمصالحة الفلسطينية ، وتسارع إلى نفي توجيه الدعوات أو تحديد موعد لاستئناف جهود الوساطة بين الفصائل الفلسطينية.

دمشق البعيدة عن مرمى النار و"الاتهامات" المنطلقة من غزة وعلى حدودها ومعابرها ، تعطي الأولوية في حراكها الفلسطيني لـ"الوحدة الوطنية والمصالحة الداخلية بين الفلسطينيتين" ، أما مصر التي تطالها شظايا الصواريخ الإسرائيلية والاتهامات الفلسطينية بالشراكة في فرض الحصار الجائر على القطاع وأهله ، تعطي الأولوية لـ"التهدئة" وتجعل منها مبتدأ الدبلوماسية المصرية وخبرها ، حتى أنها باتت تنظر لمسألة الوحدة الوطنية الفلسطينية من ثقب بوابة معبر رفح ، وكيف يمكن التنسيق بين سلطة الأمر الواقع في القطاع ، والرئاسة الشرعية في رام الله في ادارته؟،.

من الواضح تماما أن دمشق قررت الدخول على خط الوساطة بين الفلسطينيين وبقوة ، لا من موقعها على رأس القمة العربية فحسب ، بل وفي سياق سياسة تسعى في إعادة رسم صورتها وتقديم نفسها كقوة استقرار وسلام في المنطقة ، وكلاعب إقليمي يضطلع بدور "إيجابي" ، بخلاف "الصورة النمطية" السائدة عنها ، والتي لعبت الولايات المتحدة وإسرائيل دورا رئيسا في تكريسها من ضمن إستراتيجية أشمل تستهدف "شيطنة" معارضي السياسة الأمريكية في المنطقة توطئة لنبذهم وعزلهم.

وفي هذا السياق ، لم يعد خافيا على أحد ، أن سوريا انتهجت مؤخرا سياسية مختلفة حيال العراق ، تقوم على وضع "المجاهدين" في سجن "صيدنايا" العسكري ، بدل تسهيل عبورهم إلى العراق ، وهي لعبت دورا ميسرا لاتفاق الدوحة وتشكيل الحكومة في لبنان ، وهي فتحت قناة تفاوض عريضة مع الإسرائيليين عبر الوسيط التركي ، وتدعو صباح مساء للانتقال إلى المفاوضات المباشرة بالرعاية الأمريكية - الأوروبية ، وهي تتقارب مع أوروبا والغرب بخطى حثيثة ومن بوابة الإليزيه ، ومن الواضح تماما أن الرئيس بشار الأسد يرغب في أن يحل على مائدة ساراكوزي ، ضيفا مدججا بالمنجزات والإسهامات الإيجابية الملموسة.

في مقابل هذا الأداء المتقدم والتصاعدي للدبلوماسية السورية ، تواصل الدبلوماسية المصرية أداءها المتراجع في عدد من قضايا المنطقة وملفاتها المتفجرة ، ويمكن القول أن "التهدئة" الهشة ، غير المستقرة وغير النهائية ، هي الإنجاز الوحيد الذي حققته هذه الدبلوماسية خلال السنوات الماضية ، فلا مصر نجحت في الدخول على خط الوساطة بين الفلسطينيين ، ولا هي تقدمت على خط المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية ، وقد حلت تركيا محلها في الوساطة بين دمشق وتل أبيب ، مثلما حلت الدوحة محلها في الملف اللبناني ، ولم تفلح مقاطعتها في إحباط قمة دمشق أو منع انعقادها ، كما أن حدائقها الخلفية في السودان وإريتريا ومنابع النيل ، باتت ساحة مفتوحة للاعبين كثر ، يضطلعون بأدوار أكبر من دوره: إسرائيل ، تركيا مرورا بإيران وعطفا على القوى الدولية القديمة منها والصاعدة حديثا على حد سواء.

وكان لافتا أن أصواتا فلسطينية عدة ، انطلقت من قطاع غزة إثر صفقة التبادل المبرمة بين حزب الله وإسرائيل بوساطة ألمانية ، تدعو لتغيير الوسيط المصري في محادثات تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل ، ويعزو أصحاب هذه الأصوات أسباب مطالباتهم هذه ، إلى جملة أسباب أهمها: ضعف قدرة الوسيط على التأثير ، واستسهاله الضغط على الجانب الفلسطيني عندما تتعقد المفاوضات ويستعصي الحل ويتعذر الضغط على الجانب الإسرائيلي.

الخلاصة أن سوريا في حلتها الدبلوماسية الجديدة ، تبدو مرشحة لمزاحمة مصر على القيام بدور الوسيط النشط بين فتح وحماس ، مستندة في ذلك إلى إنجاز كبير سبق لها وأن "طبخته" على نار حامية ، قبل أن تقطفه الرياض وتقدمه على هيئة "اتفاق مكة" ، ذاك الاتفاق الذي لم تضف الوساطة السعودية عليه ، حرفا واحدا خارج خانة الاسم الذي حمله.

قبل أشهر قليلة ، كانت الدبلوماسية السورية ترسف بأغلال الشلل والإعاقة ، بيد أنها اليوم تتحرك على أكثر من جهة وغير محور ، مفككة أطواق العزلة المضروبة حولها ، فيما الدبلوماسية المصرية ما زالت تعاني عوارض الشيخوخة وبطء حركتها وضعف مبادرتها ، وإذا ما ظل الحال على هذا المنوال ، وإن قدر لمسار اسطنبول التفاوضي أن يواصل تقدمه "البناء والإيجابي" فليس مستبعدا أن تنتقل الوساطة حول "التهدئة" بين حماس وإسرائيل إلى دمشق ، ومن يدري ، فقد تختطف العاصمة السورية دور القاهرة وشرم الشيخ معا ، فتستضيف الحلقة الثانية أو الثالثة من مسلسل "أنابوليس" وتنظم اجتماعا لـ"منتدى دافوس" وتستقبل مؤتمرات دولية لمحاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ؟،).

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)

هذا المقال مرخص له من المشاع الإبداعي

Soutenir le Réseau Voltaire

Vous utilisez ce site où vous trouvez des analyses de qualité qui vous aident à vous forger votre compréhension du monde. Ce site ne peut exister sans votre soutien financier.
Aidez-nous par un don.

كيف تشارك في شبكة فولتير؟

إن جميع القيمين على الشبكة هم من المتطوعين.
-  المؤلفون: دبلوماسيون، وإقتصاديون، وجغرافيون، ومؤرخون، وصحافيون، وعسكريون، وفلاسفة، وعلماء اجتماع... يمكنك مراسلتنا لتقديم مقترحاتك حول المقالات. .
-  المترجمون المحترفون: . يمكنك المشاركة عبر ترجمة المقالات

تغيير الحكومة في فرنسا
تغيير الحكومة في فرنسا
بقلم تييري ميسان
سيرة الإبراهيمي
سيرة الإبراهيمي
بقلم تييري ميسان
أردوغان يسقط ببطء
أردوغان يسقط ببطء
بقلم تييري ميسان
الـ أف 35 المصنعة في إيطاليا
فن الحرب
الـ أف 35 المصنعة في إيطاليا
بقلم مانيلو دينوتشي, Shabakat Voltaire
 
ما تكلفنا إياه "حرية" الناتو
ما تكلفنا إياه "حرية" الناتو
بقلم مانيلو دينوتشي, Shabakat Voltaire
 
جون كيري لايملك سياسة
جون كيري لايملك سياسة
بقلم تييري ميسان, Shabakat Voltaire
 
أسلحة الاقتصاد
فن الحرب
أسلحة الاقتصاد
بقلم مانيلو دينوتشي, Shabakat Voltaire
 
لماذا هي استراتيجية توتر ..
فن الحرب
لماذا هي استراتيجية توتر ..
بقلم مانيلو دينوتشي, Shabakat Voltaire