شبكة فولتير

هل تمس العقوبات الأحادية الجانب بحقوق الإنسان؟

أصبح تبني العقوبات الاقتصادية و/أو المالية، التي غالبا ما تقدم باسم "الحصار"، ممارسة شائعة ضد تمرد أو أبسط إرادة استقلالية من الدول الرافضة للهيمنة الامريكية والقوى الغربية، الساعية الى أن تفرض على الكوكب كله نظرتها الخاصة. في "أوريزون إي ديبا Horizons et débats (آفاق ومناقشات)، يورد توماس كايزر محتوى التقرير الذي طلبه مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من لجنته الاستشارية حول مسألة العقوبات الأحادية الجانب.

| زيوريخ (سويسرا)
+
JPEG - 27.1 كيلوبايت

اجتمعت اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المدعوة أيضا " Advisory Board "، بجنيف بين 23 و27 فبراير. تتألف هذه اللجنة الاستشارية من 18 خبيرا مستقلا، انتخبهم المجلس حسب التوزيع الجغرافي للدول الأعضاء الـ47. في 3 مارس، تمت مناقشة تقرير فريق العمل الذي تولى مسألة الاجراءات العقابية، وإضرار ذلك على حقوق الانسان. تتم هنا معالجة مسألة هامة تشغل منذ مدة طويلة مجلس حقوق الإنسان وخبراء القانون الدولي: الى اي مدى تتسبب العقوبات الأحادية الجانب في الإضرار بحقوق الإنسان؟

لقد اعتاد عليها الجمهور العريض فعلا. عندما تمارس دولة ما سياسة تكدر صفو أقوياء هذا العالم، يتم خلق اسباب للتمكن من فرض –كأمر بديهي جدا- عقوبات على تلك الدولة. حتى داخل الاتحاد الأوروبي، تم في عام 2000، اخضاع دولة النمسا ذات السيادة الى نظام عقوبات بذريعة ما سمي العجز الديمقراطي.

يتعلق الامر في الغالب بعقوبات اقتصادية ذات عواقب كارثية. إذا ألقينا نظرة إلى الماضي، فسنلحظ أن الولايات المتحدة وحلفاءها هم من يفرض الاجراءات العقابية أو العقوبات الأحادية الجانب.

وهكذا، تظل كوبا حتى يومنا هذا ضحية الاجراءات العقابية الغربية ذات الأضرار الاقتصادية الجسيمة. إن فنزويلا تعاني أيضا عقوبات أمريكية لأنها لا تخضع لإملاءات النيوليبرالية الأمريكية. دول أخرى ضحايا لسياسة القوة الغربية هذه. آخر مثال عن الاجراءات العقابية الأحادية الجانب هو العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا، بحجة دعمها المفترض العسكري للانفصاليين في أوكرانيا الشرقية. لا أدلة ملموسة، ومع ذلك طبقت العقوبات. بل إن البلدان الأعضاء قد أجبرت على المشاركة رغم من أن عددا من الدول العضوة، كاليونان والنمسا، معارض لتمديد العقوبات.

بقراءة التقرير الذي أعده فريق العمل الذي طلبته اللجنة الاستشارية، يتضح بجلاء أن هذه العقوبات التعسفية الأحادية إشكالية عويصة من وجهة نظر حقوق الإنسان.

قام هذا الفريق بتحليل الوضع في دول مختلفة خضعت لنظام العقوبات: كوبا، زيمبابوي، إيران وقطاع غزة. إن مفعول هذه العقوبات كارثي ويشكل بشكل واضح انتهاكا لحقوق الإنسان. حسب التقرير، فإن التبعات السلبية في البلدان المعاقَبة تتجلى في المقام الأول داخل المجتمع المدني، لأن أكثر من يتضرر من العقوبات هم:

"أضعف أفراد المجتمع، مثل النساء والأطفال وكبار السن والمعاقين والفقراء".

يوصي الفريق العمل –خصوصا- بتعيين مقرر خاص لتحليل وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان نتيجة الاجراءات العقابية الأحادية الجانب.

عند قراءة هذا التقرير بعناية، يمكن تخيل العواقب الوخيمة الناتجة عنها على تلك البلدان وعلى سكانها.

كوبا

هنا، معظم من يعاني من العقوبات هم النساء والأطفال. يكشف التقرير أن:

"الحصار [1] أدى الى سوء تغذية، خاصة الأطفال والنساء، تموين ضعيف بمياه الشرب ونقص في العناية الطبية".

وبالإضافة إلى إن الحظر "قيّد تمكن الدولة من المنتجات الكيميائية وقطع الغيار اللازمة لتوفير مياه الشرب"، ما يؤدي قطعا إلى زيادة معدلات الأمراض والوفاة.

وفوق ذلك، يستمر هذا الحصار منذ أكثر من 50 سنة، ولم يرفعه بعد الرئيس أوباما، ويمكن يخمين معاناة البلد.

زيمبابوي

في سنة 2002، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على حكومة البلد. وسبب هذه العقوبات هو الإصلاح الزراعي التي تم ايام رئاسة روبرت موغابي. وحسب التقرير، يعاني 13 مليون شخص في هذا البلد من العقوبات:

"معدلات الفقر والبطالة مرتفعة جدا، البنى التحتية في حالة رثة. لقد أدت أمراض مثل السيدا –الإيدز- والتيفوس وحمى المستنقعات إلى متوسط عمري يتراوح بين 53 و55 سنة (..).

وحسب تحقيق اجرته منظمة يونيسيف، ما يقرب من 35٪ من الأطفال دون سن 5 سنوات متخلفون، 2 بالمئة لا ينمون بشكل طبيعي و10 بالمئة يعانون نقص الوزن".

إن الحال المتردية التي تسود البلد يؤدي -إضافة إلى ارتفاع معدل الوفيات- الى الهجرة قوية تصحبها مخاطر كبيرة.

إيران

حسب التقرير، فإن الوضع الاقتصادي للبلاد والسكان كارثي.

"أدت العقوبات إلى انهيار الصناعة، الى تضخم متسارع وبطالة واسعة النطاق".

لقد تضرر نظام الصحة العامة بإيران بشكل جسيم.

"في حين ترافع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن العقوبات لا تطال المنتجات الإنسانية، فقد أعاقوا في الواقع، وبشدة، توفر وتوزيع اللوازم الطبية والأدوية (...). في كل سنة، يجد 85 ألف إيراني أنه مصاب بسرطان. عدد المؤسسات التي يمكن أن تعالج هؤلاء المرضى كيميائيا أو إشعاعيا غير كاف إلى حد كبير.

ومع أن العقوبات المالية على جمهورية إيران الإسلامية، لا تخص –من حيث المبدأ- الأدوية أو العتاد الطبي، فإنها تمنع، في الواقع، المستوردين الإيرانيين من تمويل استيراد هذه الأدوية أو هذه العدة الطبية".

لا يحق لأي بنك غربي ابرام تجارة مع إيران. ومن خلال عدم القدرة على دفع ثمن الأدوية، المصنوعة فقط في الغرب والضرورية للمرضى، تؤثر العقوبات، بالتالي، أيضا، وبشكل غير مباشر، على قطاع الصحة العامة والسكان.

قطاع غزة

حسب التقرير:

"تعامل الحكومة الإسرائيلية قطاع غزة على انه إقليم أجنبي، وتعرض سكانه الى حصار مالي واقتصادي خطير. خلال شهري جويلية (يوليو) وأوت (أغسطس) من سنة 2014، خلال معارك استمرت 52 يوما، دمرت القنابل الاسرائيلية أو أضرّت بأكثر من 53 ألف بناية.

ينتهك الحصار الدائم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان، الذين يعانون الاجراءات العقابية الأحادية الجانب. إن سوء التغذية، وخاصة لدى الأطفال، لن تتوقف عن التفاقم. عشرات الآلاف من الأسر تعيش تحت أنقاض منازلها أو في حاويات دون تدفئة، قدمتها الإدارة المحلية.

في ديسمبر عام 2014، أوردت مصلحة الاغاثة والعمل التابعة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، أن عددا من الأطفال -تقل أعمارهم عن 10 سنوات- مات من البرد".

للعلم أيضا، تحذر تقارير مختلفة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية من سوء نوعية مياه الشرب، التي تهدد صحة عدد كبير من الأشخاص.

بعد عرض تقرير فريق العمل، تناقش أعضاء اللجنة الاستشارية فيما بينهم، وبعدها أعطى رئيس اللجنة الكلمة الى السفراء الحاضرين.

انتهز ممثل كوبا الدبلوماسي الفرصة للفت الانتباه إلى الأذى الذي ألحقته العقوبات الامريكية المطبقة منذ 50 عاما ببلاده، وندد بالعقوبات كانتهاك لحقوق الإنسان، وأن فرض العقوبات يمثل عملا تعسفيا وتدخلا في الشؤون الداخلية لدولة أجنبية. وشدد على انه لا يرى تغييرا في موقف الولايات المتحدة، التي اتهمها بأنها انتهاك خطير لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.

وذهب ممثل فنزويلا الدبلوماسي غلى أبعد من ذلك، مشيرا إلى أن أي عقوبة هي تدخل غير مقبول في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة. وأن الغرض من هذا الإجراء هو إحداث "تغيير للنظام"، وأن الأمم المتحدة، أي: مجلس الأمن، هي الجهة الوحيدة المخول لها أن تتخذ إجراء ضد دولة؛ هذا لا يعني، في أي حال، ان تفرض دولة قوية املاءات على دول ترفض الانصياع لها. في رأيه، يشكل هذا بوضوح انتهاكا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

خلال الدورة الـ28 لمجلس حقوق الإنسان، من 2 إلى 27 مارس، سيعرض هذا التقرير، الذي تم طلبه في سبتمبر 2013، وسيصوّت عليه. إذا تم قبوله، فلن تكون هناك عقبة أمام إنشاء مقرر خاص ووضع معايير دولية في هذا المجال.

ترجمة
خالدة مختار بوريجي

مصادر
Horizons et débats (Suisse)

المستندات المرفقة

 

[1] كلمة "حظر" تجعلنا نفهم أن عبارة فرض عقوبات أحادية الجانب قد تكون ذات طابع قانوني أو أنها تنفذ تحت تفويض دعوى مصرح لها شرعيا، لاعتماد هذا النوع من "العقوبات"، الكوبيون يستخدمون مصطلح "حصار" لتبيان حقيقة أن الهدف النهائي من هذه العقوبات هو –في الواقع- لإخضاع البلد الذي يخضع حقا لحصار حقيقي، بالمعنى العسكري للكلمة (ملاحظة شبكة فولتير).

المقالة مرخص لها بموجب المشاع الإبداعي

يمكنكم إعادة نشر مقالات شبكة فولتير شرط ذكر المصدر وعدم التعديل فيها أو استخدامها لتحقيق الربح التجاري (رخصة CC BY-NC-ND).

Soutenir le Réseau Voltaire

Vous utilisez ce site où vous trouvez des analyses de qualité qui vous aident à vous forger votre compréhension du monde. Ce site ne peut exister sans votre soutien financier.
Aidez-nous par un don.

كيف تشارك في شبكة فولتير؟

إن جميع القيمين على الشبكة هم من المتطوعين.
-  المترجمون المحترفون: . يمكنك المشاركة عبر ترجمة المقالات