يبدو ان الولايات المتحدة انتقلت الى مرحلة جديدة في علاقتها مع سورية. ويبدو ايضاً انها وصلت الى نقطة اللاعودة من هذه المرحلة. فعندما تقرر واشنطن تجميد ارصدة مسؤولين امنيين سوريين، بتهم «اثارة المشاكل» في لبنان والعراق، وعقاباً لدمشق على «عدم التقدم نحو الحرية»، فانها تعين طبيعة الحكم في سورية من جهة. ومن جهة اخرى، ترسم له الحدود الممكنة لمعاودة العلاقة الطبيعية معه.

القرار الاميركي جاء بعد سلسلة تحذيرات لدمشق و»عقوبات» ذات طابع اقتصادي محدد. ومن ثم فرضت عقوبات ترتبط، بما تعتبره واشنطن، منع سورية (ومعها ايران وكوريا الشمالية) من التزود اسلحة دمار شامل. لكن القرار الاميركي اعلان اسماء مسؤولين امنيين في سورية يعني الانتقال من مرحلة العقوبات الاقتصادية وصولاً الى استهداف سياسي للحكم في دمشق واركانه الاساسيين. وعندما تكون اسماء هؤلاء المسؤولين مرتبطة مباشرة بالامن، فان ذلك يعني ان واشنطن حددت طبيعة الحكم السوري بجانبه الامني فقط. مع كل ما يعني ذلك، من وجهة نظرها، من غياب الديموقراطية والحرية السياسية والاقتصادية. وايضا فقدان الامل بانفتاح محتمل للحكم على هذه القيم، وتالياً تعلن واشنطن ان اي حوار معه لن يكون مفيداً، فتنقل المواجهة على الدور السوري الاقليمي الى مواجهة الحكم السوري في الداخل.

نقلت واشنطن المواجهة مع سورية الى هذه المرحلة بعد سلسلة من التغيرات الاقليمية حصلت منذ الغزو الاميركي للعراق، ومنذ تقديم المطالب الشهيرة التي حملها وزير الخارجية الاميركي السابق كولن باول الى دمشق. وهي مطالب كشفت ان الولايات المتحدة، في انتشارها العسكري في المنطقة، تعمل على انهاء اي دور اقليمي آخر، خصوصاً الدور السوري الذي اتسع كثيراً في العقود الثلاثة السابقة على الغزو. لا بل كشفت ان المواجهة ستكون مع هذا الدور تحديداً، اذ لم تعد واشنطن تعتبر ان الظروف التي حملتها على الاعتراف به، خصوصاً منع قيام نظام متحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان خلال الحرب الاهلية فيه ومن ثم حرب تحرير الكويت، لم تعد قائمة. وعلى سورية تالياً الانكفاء الى الداخل وقطع كل ارتباطاتها الاقليمية، وايضاً القيام بتغييرات داخلية تدفع في اتجاه الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي تستجيب المفهوم الاميركي للشرق الاوسط الجديد.

منذ ان أبلغ باول دمشق هذه المطالب، راح الموقف الاميركي يتصاعد تدريجاً في مواجهة الحكم السوري الذي لم يقنع واشنطن انه انتظم في خطتها الاقليمية، خصوصاً في لبنان والعراق وفلسطين، ولم ينجح في ايجاد صيغة تفاهم معها، وصولاً الى انقطاع الحوار الثنائي الجدي، والاكتفاء بحوار غير مباشر، عبر اطراف اخرى، بدا هو ايضاً غير قادر على وصل ما انقطع.

وظهر اخيراً ان اميركا استطاعت ان تسجل لمصلحتها نقاطاً مهمة على الجبهة الغربية لسورية، اجراء انتخابات في الاراضي الفلسطينية فرض تهدئة كانت دمشق متهمة برفضها ودفع المحادثات مع اسرائيل الى امام خصوصاً في شأن الانسحاب من غزة، وإصدار القرار الدولي الرقم 1559 وإجبار سورية على الانسحاب العسكري من لبنان في فترة محددة، تلتها انتخابات نيابية حملت خصوم الدور السوري الى الحكم. لكن على الجبهة الشرقية، بدت واشنطن غير قادرة على حسم واضح، اذ تعثرت جهودها احلال الامن والاستقرار في العراق، رغم العملية الانتخابية، بما يثير اسئلة كبيرة في طبيعة النجاح الاميركي. كما حملت الانتخابات الايرانية شخصية متشددة تميل الى العداء لاميركا اكثر من الحوار معها، ما قد يعيد خلط الاوراق في الجبهة الغربية خصوصاً في لبنان.

وقد تكون التقديرات الاميركية ان دمشق التي تحاول ان تظهر بمظهر المتخلي عن دور اقليمي مناهض لواشنطن يمكنها ان تستفيد من التعثر في العراق وعملية السلام الفلسطينية - الاسرائيلية، خصوصاً مع الرئاسة الايرانية الجديدة. فنقلت الادارة الاميركية المواجهة مع دمشق من مطالب التخلي عن الدور الاقليمي الى مطالب تمس الشأن الداخلي والعصب الاساسي للحكم.

فرض عقوبات اميركية على مسؤولين سوريين يعني ان واشنطن مقتنعة بأسباب ادانتهم او انها تلمح الى امتلاكها عناصر الادانة. فهل اعلان ذلك الآن يرتبط بالتحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، علماً ان المسؤولين السوريين المعنيين هم الذين تولوا الامور في لبنان والتي قالت لجنة المحقق الدولي بيتر فيتزجيرالد انها هيأت سياسياً للاغتيال؟. وهي نتائج تفترض اجراءات من مجلس الامن نظراً الى كونه تعامل مع الجريمة كـ»عمل ارهابي». قد يكون الامر كذلك، فتكون واشنطن استبقت نتائج التحقيق الدولي لتلقي على دمشق سلفاً هذه المسؤولية بغض النظر عن هذه النتائج. وتكون حجزت دورها في المطالبة هذه المرة بوضع دمشق امام خيار تسليم المتهمين لمحاكمتهم او مواجهة تبعات رفض تسليمهم. وسيناريو الخيارين استخدمته واشنطن عندما تبلورت فكرة غزو العراق، فطلبت من صدام حسين ترك السلطة او مواجهة الحرب.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)