قبل النهضة الأوروبية لم يكن باستطاعتنا رؤية "خيار فيدرالي" وفق الصورة التي نشهدها اليوم. فهذا الحل الذي ميز جملة من الدول الأوروبية ظهر إلى الوجود بعد التحول الثقافي، وبعد مبدأ الاقطاعيات وصراع الأمراء، وبعد الدولة القومية ...

مسألة الفيدرالية أنها قامت على "عقد اجتماعي" لكنه مثل عمليا التحول الثقافي نحو المعاصرة، ورؤية أوروبا ومن ثم الولايات المتحدة خارج صورة القرون الوسطى والحروب الصليبية. ومسألة الفيدرالية "الشرق أوسطية" أنها تظهر على منح التراث تكوينا معاصرا، واعتبار الخلافة قضية يمكن إخضاعها للديمقراطية.

الفيدرالية ترسمها اليوم "الأحزاب" الدينية الظاهرة على ساحة من هزيمة الحداثة، أما الديمقراطية فيتم تكوينها على ملامح الانهيار "العسكري" لمفهوم الدولة الشمولية. فالخارطة السياسية لم تستطع أن تنهي استبداد الدولة الشمولية بل انهارت على إيقاع الجيوش القادمة من الغرب.

هذه المعادلة لا نستطيع إهمالها عندما نشاهد حلول الفيدرالية وهي تُرسم من أعداء العلمانية، أو من أنصار عودة الخلافة، أو حتى من الزعامات القبلية سواء كانت كردية أو عربية أو تركمانية. فالمسألة الديمقراطية التي تشكل الحل الوحيد لعالم غارق في متاهات القرن الرابع، يمكن إسنادها لابن تيمية ليظهر عندنا "أحدث" ديمقراطية للخلافة تعترف بالآخر عندما يكون على مقاسها وزمنها التاريخي.

ربما يصعب في اللحظة الحاضرة محاسبة تجربة تحاول بلورة نفسها، لكن في نفس الوقت يمكننا قراءة المعادلة الفيدرالية خارج إطار الانتقام من التجارب السابقة، أو حتى رؤيتها وفق لحقيقة المصالح الاجتماعية على الأرض، وليس فقط على أساس أوهام التاريخ أو إعطاء التراث النفسي وأحلامه بعدا معاصرا.

الفيدرالية اليوم حل مبتسر لأن "الحداثة" فشلت في تحقيق التغير الاجتماعي ... والفيدرالية لا تبدو أنها صورة لدولة معاصرة طالما أنها تقوم على الطائفة والنوع والبطن والفخذ المنشق من عشيرة ... وربما من الصعب منح الحداثة جولة أخرى، لكن من الصعب أيضا تجربة صراع القبائل والإمارات واعتبارها حلا فيدراليا....