لم يكن نفي الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله خلال الأسبوع الماضي للحديث الإعلامي عن “ضلوع الحزب” ومسؤوليته عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واعتبار الكلام “سخيفاً” أمراً عابراً بلا جذور.

فخلال أكثر من أسبوعين حفلت الصحافة اللبنانية والكواليس السياسية في بيروت بتصريحات وتلميحات فحواها أن تقرير ميليس الوشيك الصدور سيتضمن “اتهاماً” بمسؤولية الحزب عن هذه الجريمة النكراء.

وذهبت هذه التصريحات بعيداً في معرض تحديد مسؤولية “الحزب” في هذا الحدث الذي هز - وما زال - لبنان من أدناه إلى اقصاه، عندما أشار بعضها إلى أن ثمة صوراً جوية تشير إلى ان السيارة التي انفجرت بموكب الحريري وأفضت إلى ما أفضت إليه انما فخخت في الضاحية الجنوبية وبالتحديد بما صار يعرف ب”المربع الأمني” الذي يسيطر عليه الحزب كونه يضم مقار قياداته الأساسية.

وأمام هذه المعلومات البالغة الخطورة، مارس الحزب سياسة الصمت والصبر، انطلاقاً من مسلمات أساسية لديه، جوهرها انه أمام “شائعة” لا سند لها، واستطراداً انه أمام “شبح” معلومات غير مرئي، وعليه، فهو لا يمكن ان ينزل إلى مواجهة مع شائعات هلامية، وأن ينحدر إلى مقابلة مع أشباح غير منظورين، خصوصاً انه اعتاد على هذا النوع من “الاتهامات” وأخذ منذ زمن قراراً بأنه لا يرد عليها الا إذا كانت ذات سند.

وأدرك الحزب في هذا الخضم، أن ثمة من يريد ان يجره إلى هذه “المعمعة” ويجعله يخرج عن وقاره ويفقد حضوره المميز. وإدراك الحزب لهذا الأمر تأكد لديه أكثر، عندما تيقن بأن أمر الاتهام قد قرن بحديث عن تباين سني شيعي يهدد بفتنة.

كما ان الحزب - والكلام لمصادر مسؤولة فيه - شعر بأن ثمة من يريد ان يوقع لبنان برمته أسير “وهج” تقرير مازال في ظهر الغيب، واستطراداً يريد أصحاب هذا الاتجاه ان يحصدوا الثمن السياسي الذي يريدونه لهذا التقرير قبل ان يبصر النور بأسابيع عدة، وبالتحديد في مجال إحكام “الحصار” حول البندقية المقاومة في الجنوب، والتي يعي الحزب وسواه انها ستفقد قسماً كبيراً من حصانتها ومناعتها، إذا ما فقدت الدعم الوطني والحضن الإسلامي لها. ولم يكن ذلك غريباً بالنسبة للحزب الذي يدرك تمام الإدراك انه وضع على “لائحة الإرهاب” بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، بعدما رفض التجاوب مع اغراءات سياسية ومادية قدمت له في مقابل التخلي عن بندقيته المقاومة.

والأمر نفسه تقريباً مورس معه، عندما جاء من يبلغه همساً بأنه سيجد نفسه محاصراً بتهمة الضلوع في عملية اغتيال الحريري، إذا لم يتخذ خطوات تقربه من لحظة إلقاء سلاحه المقاوم. والأمر الآخر الذي كان يعتمد عليه الحزب ضمناً، لتبديد كل هذه الشبهات حوله، هو معرفة المعنيين وبالتحديد جمهور الرئيس الحريري، لتوجهات الحزب وحرصه الجامح على النأي بنفسه وبمقاومته عن المشاركة في أي حدث داخلي يشوه هدفه الأساسي، وصورته المعهودة والدور الذي نذر له نفسه منذ نشوئه، وهو الاستمرار في المقاومة ومواجهة المفاعيل الداخلية للقرار الدولي رقم 1559. ومن هذا المنطلق، أبرز الأمين العام للحزب مراراً “علاقته الوثقى بالشهيد الحريري وسلسلة اللقاءات بينهما (17 لقاء وبحضور أصدقاء مشتركين) وتوافقهما على مسائل عدة، منها احتضان بندقية المقاومة”.

كما ان الحزب حرص إبان الانتخابات النيابية الأخيرة على خوضها بالتوافق مع توجهات “تيار الرئيس الحريري”، كما حرص على المشاركة مباشرة في الحكومة التي رأسها أحد المحسوبين على تيار الحريري (الرئيس فؤاد السنيورة)، ومحضها ثقته التامة في مجلس النواب.

وخلال ذلك كله لم يكن الحزب بمنأى عن كل المعلومات التي كانت تتداولها بعض الأوساط، ومفادها، أن أجواء تقرير ميليس الموعود، والقطيعة الحاصلة بين “تيار الحريري” ودمشق كلها من العوامل والعناصر التي من شأنها ان تدفع لاحقاً الغالبية النيابية التي يمثلها تيار الحريري إلى أن تأخذ القرار بالصدام مع المقاومة وسلاحها إنفاذا “للقرار الدولي الرقم 1559”.

كل هذه المناخات والأقاويل، عاشتها قيادة “حزب الله” في الفترة الماضية ولم تكن بطبيعة الحال مرتاحة لها أو غير متوجسه منها، ولكنها وحسب المعلومات المستقاة من المصادر نفسها، فإن السيد حسن نصر الله لم يعلن نفيه المطلق لكل هذه الاتهامات واعتباره إياها باطلة و”سخيفة” على حد قوله، إلا بعدما ثبت لديه بالبرهان والدليل، ان تقرير ميليس خالٍ تماماً من أي إشارة أو اتهام للحزب في عملية اغتيال الحريري. ومع ذلك فالحزب، مابرح ينتظر مع موكب المنتظرين لهذا التقرير الموعود، ليرى ما يتضمنه ويبني على الشيء مقتضاه.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)