يكتسب تقرير قاضي التحقيق الألماني ديتليف ميليس أهمية تكاد تتجاوز الواقعي الى الأسطوري. فالتقرير، ما من شك، مهم تبعاً لأهمية الجريمة التي يترصّدها، وأهمية الظروف التي أحاطت بها. الا ان تحكّم تقرير بحياة سياسية لبلد بعينه، بل بمقوّمات حياة البلد هذا، اشارة لا تخطئ إلى هشاشة في البلد تلامس الاستعصاء وتتلوّن بالمأسوية.

وبالمعنى هذا، يكتسي التقرير طابعاً جذرياً مردّه الى جذرية المسائل التي يعيشها لبنان وتواجهه، على نحو لا يكل، باحتمالات تتصل بالحياة والموت، لا أقل من ذلك.

لكن العراق - والتقرير هناك هو مسوّدة الدستور - فيعلن بصراحة دموية نفس الجذرية التي يكتمها لبنان أو يمارسها بالكلام المهرّب والملتوي. فإن لم يتمكن السنّة من اسقاط المسوّدة تلك، أقرّتها الجمعية الوطنية وبنت على قاعدتها نظاماً معوجّاً وفئوياً لا يعصم من حرب أهلية. أما اذا تمكن السنة من اسقاطها، يجذبهم النظام القديم باعوجاجه وفئويته المضادين، رجح ان يكون التصويت لبرلمان مقبل تصويتاً متعدد الأطراف للحرب الاهلية.

وفلسطين، بعد الانسحاب من غزة، ليست أفضل حالاً. فقد سقطت نهائياً وعود أوسلو العظمى قياساً بما يُعاش اليوم، فيما ترتسم صورة جديدة لاسرائيل أخرى تقضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتتجه الى تكريس قضمها هذا، فيما ترتسم صورة جديدة لفلسطين هي، في أحسن أحوالها، غزة وأجزاء من الضفة الغربية. ويُخشى ان تفتتح عملية بئر السبع الأخيرة (والانفجار الغامض في مخيم عسكر شرق نابلس؟) انتقالاً الى ما دون ذلك وما هو أقل: هكذا تباشر «حماس» و»الجهاد» ما يكمّله شارون الباحث، بكل ما يسعه من نشاط، عن دم فلسطيني رخيص ويسترخصه أهله.

ولا تقف السيناريوات الرؤيوية لمنطقة الشرق الاوسط عند حد: فاذا ذُكرت سورية حضر الضباب الكثيف الذي يلف نظامها العسكري البعثي والذي، من ثم، يلف مجتمعها بكامله. واذا ذُكر الأردن، الذي يتوسط النزاعين العراقي والفلسطيني - الاسرائيلي، حضر الخوف المشروع على استقرار ذاك البلد الصغير، وعلى ان تكون الطاقة الرمزية لعملية العقبة ايذاناً بذاك التهديد المهلك. أما ايران فالمطروح فيها وعليها، وعلينا جميعاً تالياً، لا يقل عن... مسألة نووية!

وقصارى القول ان وضع منطقة الشرق الأوسط الآن يتوّج عشرات السنين من الحصاد الرديء الذي جاءت حرب العراق علاجاً ارتجالياً له زاده رداءة. وبائسٌ، أمام هذه الأرض التي تزحل بالجميع، ان يتشارك الرئيس الاميركي وخصومه العرب والمسلمون في صورة متفائلة عن «اليوم التالي» (ذاك التعبير ذي الأصل الديني الذي عمّمه الاعلام في الفترة الاخيرة وروّجه): فإذ يراه الأول، على رغم كل شيء، بداية لشرق اوسط ديموقراطي جديد، يراه الاخيرون، على رغم كل شيء أيضاً، مدخلاً للانتصار على الهيمنة الاميركية!

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)