في الوقت الذي كان يجري فيه إخلاء المستوطنات في غوش قطيف، جرى إخلاء بلدة لم تحظ بأي تغطية إعلامية. الأمر يتعلق ببلدة تعيش فيها 250 عائلة، عددها 1500 نسمة، أكبر من أي مستوطنة يهودية في قطاع غزة، باستثناء نافيه ديكاليم، هذه البلدة تقع أيضاً في النقب وهي أيضاً أقيمت بطريقة المناورة بين المسموح والممنوع، في ظل التشجيع الخفي من قبل أصحاب القرار السياسي. حتى هنا التشبيه بين فك الارتباط الذي يرمي الى "كي الوعي على مدى الأجيال" وبين فك ارتباط مجهول لا يتحدث عنه أحد.

الفارق بين الاخلاء المغطى إعلامياً وبين الاخلاء المجهول ينبع من أن "طرابين الصانع" هي بلدة بدوية. طرابين تحاذي مستوطنة عومر، وفقط جدار يفصل بين البلدتين المختلفتين جداً. حسب معطيات مكتب الاحصاء المركزي، فإن عومر هي البلدة الثالثة في اسرائيل في سلم مستوى الدخل لسكانها. من الصعب التقدير أنه يوجد في اسرائيل بلدات أفقر من طرابين المحاذية لها. أقيمت طرابين في الستينات، بعد أن أرغمت المؤسسة الأمنية مؤسسيها على مغادرة أراضي آبائهم وأجدادهم في غربي النقب. في تلك الأيام كانت عومر قرية زراعية متفتتة، وكانت الطرابين قبيلة بدوية صغيرة وكان النقب يعتبر بلاداً سائبة. ضابط إدارة صغير أمر الشيخ بضرب خيام القبيلة على مسافة كيلومترين من عومر. ولم تخصص الدولة للساكنين الجدد ماء، كهرباء، طريق أو روضة أطفال. والغموض الذي لف طريقة السلوك الاسرائيلية في المناطق الفلسطينية عملت هنا أيضاً، مع فارق صغير: إقامة البلدة البدوية لم تكلف دافع الضرائب أي عبء. فعلى مدى السنين بنى البدو لأنفسهم بيوتاً ومؤسسات خدمات. وفي ظل ذلك أنجبوا ـ وكثيراً ـ بنوا مساجد ومقابر، وطوروا مجتمعاً ومؤسسات. كل شيء بني ببساطة شديدة ولكن بجهد كبير. وبالأحرى بحب كثير.

وبالتوازي، تطوّرت عومر جداً. في أثناء تلك السنين تحولت القرية الزراعية الفاشلة الى بلدة مزدهرة تعد الآن 6 آلاف نسمة. ثمن قطعة الأرض للبناء هو 80 ألف دولار، ويوجد طلب، المشكلة هي أن مجال التوسع الوحيد لعومر هو بالضبط المكان الذي توجد فيه البلدة البدوية. فما العمل؟ يطردون البدو. وبالفعل، كما يجدر بمجتمع متقدم، في ظل الاستعداد لعرض التعويضات. مدير أراضي اسرائيل عثر على أرض بديلة بعيداً من اتجاه الغرب، بنيت فيها بنى تحتية أولية، والعائلة المخلية ستتلقى تعويضاً مالياً صغيراً. وإذا ما طبقنا جدول الأقدمية، حجم بيت السكن وعدد الأطفال الذي تقررت بموجبه التعويضات لمستوطني غوش قطيف، سنجد أن التعويض للبدو هو أقل من العشر.

مئات قطع الأرض التي يتركها البدو خلفهم ستباع الآن لسكان عومر الجدد. ملايين الدولارات المتوقعة من البيع ستتدفق الى إدارة أراضي اسرائيل وأسماك القرش العقارية الذين عرفوا أكثر من البدو كيف يستمدون من هذه الأرض البائسة مالاً طائلاً.

البدو لم يرغبوا في الاخلاء. والكلمات الكبيرة التي تسللت الى الخطاب الجماهيري عن العلاقة الحسية للمستوطن مع بيته، مشهد حياته ومكان عمله، تعبر أيضاً عن احساس البدو المطالبين بمغادرة بيوتهم. ولكن من سمع عن ضائقتهم على الاطلاق؟ وبمعرفتهم الجيدة، ماذا سيحصل للبدوي الذي سيتجرأ على رشق ضابط شرطة بالأسيد، فإنهم لا يتصورون مقاومة إخلائهم بالقوة. فك ارتباطهم عن منازلهم يجري هذه الأيام بصمت. المهانة والأسى يعربون عنهما بهدوء. عندما يتعلق الأمر بالبدو، فإن المجتمع الاسرائيلي يصمت.

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)