لا يختلف أي مراقب للشأن السوري مع آخر على أن سورية ومنذ (9/4/2003) وهو تاريخ بدء الحرب الأميركية ضد النظام العراقي وفيما بعد بنحو شهر، سقوطه وسقوط بغداد، على أن سورية قد أصبحت من أكثر الدول في المنطقة تأثرا بالتداعيات الأمنية والسياسية لما جرى.

صحيح أن ما حدث قلب المنطقة رأسا على عقب وأرخى بظلال الاضطراب والقلق على عموم دول المنطقة، لكن تبقى سورية على رأس الدول المتأثرة وذلك لأسباب كثيرة أولها أنها كانت وما زالت على خلاف مع الولايات المتحدة على خلفية مناهضتها للحرب على العراق، وثانيها بسبب اتهامها بدعم المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال، إضافة إلى رؤية واشنطن للنظام في دمشق وتقييمها له على اساس أنه نظام لا يرغب في التكيف مع الأوضاع الجديدة الناشئة في المنطقة، ومصر على انتهاج سياسة قديمة قوامها دعم القوى والتنظيمات والأحزاب «الإرهابية» مثل حركتي «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيتين و«حزب الله» اللبناني، وسعيه الى الحفاظ على علاقة تحالفية مع إيران، إضافة الى إصراره - أي النظام في سورية - على عدم الافساح في المجال أمام قوى الإصلاح والديموقراطية في الداخل لتأخذ دورها ومكانتها في عملية التغيير الداخلي، وإصراره كذلك على حكم سورية ومجتمعها من خلال حزب واحد هو «البعث». هذه الرؤية والتقييم الأميركي للنظام في دمشق ترافقا مع جملة من الخطوات والقرارات التي اتخذتها واشنطن، مثل قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان، إضافة الى استمرار تطبيق العقوبات الأميركية على سورية منذ الثمانينات باعتبارها من الدول الداعمة للارهاب كذلك تأتي محاولة بعض أعضاء الكونغرس لأستصدار قانون يسمى قانون تحرير سورية اسوة بقانون تحرير العراق الذي صدر عام 1998. و أيضا سعي بعض أعضاء الكونغرس الى استصدار قانون يسمي حزب البعث منظمة ارهابية, والتلويح والتلميح بأن سورية والمخابرات السورية هي من تقف وراء محاولة اغتيال النائب اللبناني مروان حمادة وفيما بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وشخصيات أخرى، الى الكثير من التفجيرات التي حصلت في لبنان بعد خروج القوات السورية.

ولم تتوقف الضغوطات هنا بل استمرت واتخذت أشكالا جديدة من خلال سعي بعض أعضاء الكونغرس الأميركي إلى سن قانون ضد دمشق باعتبارها نظاما يقمع الحريات ومساعدة الشعب السوري في تطلعاته نحو الحرية والديموقراطية، كذلك عملت واشنطن على سحب السفيرة الأميركية من دمشق مارغريت سكوبي عقب جريمة اغتيال الحريري, كل ذلك ترافق مع اتهام سورية بشكل مستمر بإيواء الإرهابيين والمتطرفين وبقايا النظام العراقي السابق وسماحها للمتسللين بعبور الحدود السورية العراقية.

وأخيراً شددت الادارة الاميركية ضغوطها على سورية، من اجل زيادة عزلتها ومعاقبة المسؤولين الكبار فيها بسبب ما أسمته «سلوكها غير المقبول» عن طريق اعلان وزارة الخزانة الاميركية تجميد اي ودائع مالية في المصارف الاميركية لوزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان، ولرئيس جهاز الأمن والاستطلاع السابق في لبنان العميد رستم غزالة نظرا الى ما وصفته الوزارة بـ «نشاطاتهما الفاسدة» والى تورطهما «في صفقات مالية فاسدة» ودورهما في «دعم الارهاب» خلال وجودهما في لبنان.

ولعل أبرز تلك الخطوات والمحطات تجلت في عمل الولايات المتحدة على استصدار القرار 1559 عن مجلس الأمن الذي ساهم فيما بعد بخروج القوات السورية من لبنان، ومن ثم تشكيل لجنة دولية للتحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري حيث يعتقد البعض أن «عاصفة» إقليمية ستتبع إعلان نتائج التحقيقات، وهناك من يعتقد أن الولايات المتحدة وبالتنسيق مع أطراف أوروبية سوف تسعى لاستغلال نتائج التحقيق وتجييرها ضد دمشق.

ما قصدناه من هذه المراجعة، هو الوقوف على الطريقة الأميركية في إدارة الملفات ومحاصرة من تختلف معهم الإدارة الأميركية من الأنظمة، فهذه السلسة التي تأخذ مسارا تصاعديا تعكس بشكل واضح أن هناك هدفا تسعى الى تحقيقه الولايات المتحدة إزاء النظام في سورية، لعل أبرز ملامحه عزلة والتضييق عليه أولا وصولا للخطوة الثانية الحاسمة. لكن رغم ذلك وفيما لو كان هدف الإدارة الأميركية تنفيذ شيء يستهدف تقويض النظام السوري، فإن ذلك لن يتحقق ما لم يستند إلى خارطة داخلية مساعدة، والى اليوم يبدو أن السوريين بعموميتهم يقفون مع خيار الاستقرار والوحدة والأمن الداخلي على خيار التغيير الذي ستأتي به أميركا، وخصوصاً بعد تجربتهم في العراق المحترق وبعد متابعتهم لشلالات الدم العراقي التي تراق رغم مضي عامين على سقوط النظام الاستبدادي، ورؤيتهم لما هو ماض اليه العراق من احتمالات التفكك وربما الحرب الاهلية.

هذا لا يعني أن الخارطة السورية متماسكة وصعبة الاختراق فيما لو سعت الإدارة الأميركية لفعل شيء يهدد استقرار النظام, إن في سورية بؤر توتر كامنة وخطيرة قد تنذر بحرائق كبيرة فيما لو لم يتم الانتباه اليها ومعالجتها، وهي : -المسألة الكردية-القوى ذات الاتجاهات الدينية المتطرفة- المسألة الطائفية والمذهبية والعرقية والاثنية- (ما حصل في مصياف والقدموس مثال على ذلك ) -قوى المعارضة الأخرى (القومية واليسارية) التي من المفترض السعي الى صيغة جديدة من العلاقة معها حتى لو بدت للنظام أنها مشلولة وضعيفة، وعلى الرغم من أنها قوى وطنية عبرت عن موقف حاسم من الولايات المتحدة ومفهوم رافض للتغيير المدعوم من الخارج,- وأخيرا فإن المسألة الاقتصادية تعتبر (بؤرة توتر) حيث يعيش المواطن السوري ضائقة اقتصادية، وينخر الفساد عموم المؤسسات السورية العامة، ويعاني جهاز القضاء من غياب الاستقلالية ويفتقد النزاهة , هذه أوضاع لا يمكن الاستهانة بها.

وفي العموم هذه كلها عوامل تشكل بؤر توتر وحرائق كامنة داخل الجسد السوري, وهي تحتاج إلى معالجة وربما يحتاج بعضها الى «جراحات عاجلة»,,.

مصادر
الرأي العام (الكويت)