التقرير الذي رفعه ديتليف ميليس الى مجلس الأمن أدى، في آن معا، الى تحديد وجهة التحقيق، وإلى رفع سقف التوقعات، وإلى التمهيد لإنشاء محكمة دولية، وإلى ملاحظة أن الوضع اللبناني الداخلي لم يصل إلى محطة حاسمة على صعيد التوازنات السياسية الاجمالية ونتائجها.

كان يمكن القول، غداة التقرير، إننا أمام قدر من التعيين المحاط بنوع من الغموض. أي كان يمكن الترجيح من دون إقفال الباب على وجود احتمالات أخرى. إلا ان ما جرى أمس هو، من جانب ميليس، خطوة في اتجاه الوضوح، او، بالاحرى، قرار بالتأشير على الوجهة التي سيسلكها الاتهام.

أحدثت الاستدعاءات صدمة. لم تخل من جانب استعراضي مقصود وحصلت بتعاون من القضاء والامن اللبنانيين. وقد استدعى ذلك تأكيدا من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وغيره على الثقة الرسمية بلجنة التحقيق ورئيسها وذلك في لحظة نادرة بدا فيها وريث الشهيد رفيق الحريري في المنصب متحدثا بصفته <<اللبناني الاول>> الذي يطمئن مواطنيه.

وإذا كان لهذه الصدمة أن تدلل على حجم الانقلاب في موازين القوى بما قد يحرر بعض الألسن ويجعل أصحابها يبحثون عن <<بوليصة تأمين>>، فإن جانبها الآخر هو إجراء تمرين على صعيد وطني عام يظهر قدرة الجسم اللبناني على التحمل وكيفية تفاعله مع الحدث. ويمكن الاستنتاج، من ردود الافعال، وبحدود ما جرى، ان المجال مفتوح لتأخذ العدالة مجراها بمعنى انه في الامكان الرهان على حصر التداعيات الى حد ما، ما دامت دون السقف السياسي الاعلى لبنانيا وإقليميا، وما دامت لم تطلق سلسلة من الاعمال الانتقامية الساعية الى تصحيح الخلل السياسي بخلل أمني (كبير؟).

حسمت إجراءات أمس في طبيعة البيئة التي يفترض التفتيش فيها عن دوافع الجريمة ومرتكبيها. لا يعني ذلك إطلاقا ان الذين استدعوا بصفتهم <<مشتبها بهم>> هم على القدر نفسه من المسؤولية الجرمية او، حتى، انهم مسؤولون اصلا. وليس هناك ما يمنع ان الذين دخلوا الى <<مونتي فيردي>> جماعة قد يخرجون (او لا يخرجون) فرادى وبمراتب اتهامية تتدرج من البراءة الى الاتهام. إن معنى الحسم هنا هو تأكيد بالحذف، اي بحذف روايات أخرى وفرضيات أخرى.

ويمكن الاعتقاد اننا اذا كنا رأينا قمة جبل الجليد فهذا يعني ان المشرفين على التحقيق، والمطلعين على أسراره، يتصرفون على اساس امتلاكهم قاعدة معطيات تحدد طبيعة هذا الجبل، وأن الاجراءات المتخذة. هي رسالة رمزية (وربما اكثر) تمهد لما يليها وتضع اللبنانيين، وغيرهم، تدريجيا في اجواء ما قد يعلن قريبا. لنقل إننا امام محاولة لتقديم جرعة من <<الحقيقة>> بالقطارة وذلك بمعزل عن المصير الشخصي للمشتبه بهم ودرجة هذا <<الاشتباه>> صعودا حتى الاشتراك وهبوطا حتى عتبة البراءة.

إن هذه <<الجرعة>> مخصصة للتعمق في التحقيق طبعا، ولكن، أيضا، لدفع الجسم اللبناني نحو انتاج المضادات الحيوية. إن ما كان أمس، على كل شفة ولسان، يمكن اختصاره بسؤالين: هل يوحي ديتليف ميليس انه يقترب من الرئيس إميل لحود؟ هل سيخرج إلى العلن، ومتى، الاسم الاول في قائمة المشتبه بهم من الامنيين السوريين؟

السؤال الاول ذو بعد سياسي مؤكد. نعرف ان هناك لبنانيين حاسمين في أمره وفي الجواب عليه. ولكن هذا الحسم قابل للتحول الى اشكال الا اذا ارتفعت الحمايات السياسية الداخلية. وهذه، بدورها، غير قابلة للارتفاع الا بدرجة عالية من توفير اليقين وإلا بفتح بحث حول المستقبل والاوزان المتنوعة في تحديده.

والسؤال الثاني سياسي ايضا، وذو بعد اقليمي شديد الاهمية. فثمة مقومات عديدة في عدد من الوثائق والقرارات الاميركية والدولية تستبعد، اولا، إمكانية حصر المسؤولية في لبنان، وتوحي، ثانيا، أن باب الاستفادة مفتوح من التسلسل القيادي.

يعني ما تقدم أن إجراءات أمس، وإن كانت تقدم أجوبة بالاحرف الاولى حول وجهة التحقيق، فإنها تطرح اسئلة عديدة وتوحي أنها ستبدأ سريعا، في تقديم الردود عليها.

مصادر
السفير (لبنان)