حزب بلا قائد يبحث عن زعيم بلا حزب. هذا هو الواقع السياسي الحالي، وهناك إجابة واحدة صحيحة عليه: حزب "العمل" هو الحزب الذي يفتقد الى قائد يتحالف مع ارييل شارون، القائد بلا حزب. هذا الاقتراح الأفضل في ظل الواقع السياسي البائس الحالي. حسب استطلاع "معاريف" يوم الخميس الماضي، يبدو هذا الاقتراح مثاليا: 54 في المئة من المستطلعين رغبوا بحزب جديد يجمع بين "العمل" و"شينوى" وشارون، هذا الحزب لن يضمن مستقبلا جديدا حقيقيا، إلا أنه الأفضل بين الخيارات المتاحة.

العمل هو اليوم ليس أكثر من هيكل قديم ومنظومة فروع متعفنة وسمعة من الماضي البعيد وقيادة انبطاحية خاسرة. شارون هو اليوم قائد ذو نجاح قد برهن على نفسه. "شينوى" سيجلب بدوره المزيد من الاصوات. الامر بهذه البساطة. في عالم الاعمال هذا الامر كان سيحدث بسرعة كبيرة: سيطرة شخص موهوب على هيكل استثماري وتحويله الى شركة مثمرة. أما في العالم السياسي فهناك عُقد لا داعي لها. العقدة الاولى والمركزية، كما يُزعم، قابلة للحل بسهولة: العقدة الايديولوجية. ايديولوجيا؟ حزب "العمل" يرفع الآن راية واحدة ووحيدة وشارون ايضا يرفع الراية نفسها: راية فك الارتباط. قادة حزب "العمل" يتفاخرون بأن فك الارتباط لم يكن ليحدث لولا انضمامهم للحكومة، ولكن أحدا منهم لا يوضح لماذا لم ينفذوا هم هذه الخطة من قبل عندما كانوا في الحكم. لذلك تعتبر راية "العمل" هذه بلا معنى. وحتى عندما يقول اعضاء هذا الأخير بين الحين والآخر الامور الصحيحة حول السلام فانهم لا يجرؤون على تنفيذها. شيمون بيريز كان رئيسا للوزراء مرتين، ووزيرا للخارجية، ووزيرا للدفاع، ولكنه لم يقم أبدا باقتلاع نبتة واحدة من المستوطنات التي كان مسؤولا بنفسه عن اقامة بعضها خصوصاً المستوطنات التأسيسية الاولى. لماذا لم يطرح في السابق الانسحاب من غزة، هذه الخطوة التي يتفاخر بها الآن؟ لأنه خاف. الانسحاب من غزة كان من الممكن ومن الواجب تنفيذه منذ مدة، ولكن ذلك حدث تحت زعامة شارون فقط. لذلك قد يكون التمازج بين شارون وحزب العمل اتحادا صحيحا.

هذا الاتحاد قد ينطوي على بشائر خير لبيريز نفسه ايضا: ما اعتبر أكبر النجاحات في مسيرته السياسية كان يحدث دائما عندما يكون في المرتبة الثانية من الهرم، وعندئذ فقط - رقم اثنين بالنسبة لبن غوريون ولاسحق رابين. ازدهاره حدث دائما في ظل قائد آخر. لذلك قد يؤدي التمازج مع شارون الى ضمان نجاحه.

خلفية شارون الذاتية لن تكون عقبة أمام ذلك بالتأكيد: الفلاح الجنرال الذي ترعرع في التعاونيات العمالية سيشعر براحة أكبر في حزب "العمل" أكثر من شعوره بالراحة عندما يكون بين آخر "الجابوتنسكيين" وأوائل الفايغليين في حزبه. لم يعد لشارون ما يبحث عنه في الليكود، وكفى "العمل" مراوحة وذهولا من دون قيادة شجاعة يفتقد لها على ما يبدو.

حزب الغالبية هذا برئاسة شارون يمكنه أن يضمن القيام بخطوات عدة اخرى قد تكون متواضعة جدا مثل فك الارتباط، إلا انها في الاتجاه الصحيح رغم كل ذلك. اذا ناقض شارون توقعات المحللين ولم "ينعطف لليمين" سيكتشف أن طريقه للحصول على حب الشعب والعالم والدخول في كتب التاريخ مُشرع أمامه. وخلافا للتوقعات سيجد أن هذا الطريق مفتوح أمامه بعد فك الارتباط تحديدا أكثر مما كان قبله. لقد أصبح من الممكن الآن الاندفاع الى الأمام في ظل وجود معسكر استيطاني محطم ذي قيادة تبين أنها نمر من ورق، ومع غالبية لامبالية بصورة مثيرة للجزع وقيادة فلسطينية هي الأكثر اعتدالا على طول المسيرة. لذلك هناك حاجة للشجاعة والغالبية. وشارون ربما يوفر هذه الشجاعة المطلوبة، أما الغالبية فستتمثل بحزب العمل وشينوي. هل توجد صفقة أفضل من ذلك؟

إلا أن التفكير بأن التمازج بين شارون وحزب "العمل" هو الأمل السياسي الوحيد المنظور يبعث على اليأس. الامر يتعلق بلاعبين سياسيين كان الضرر الذي ألحقاه بالسلام أكبر بآلاف المرات من جدواه. أبطال الاحتلال. نصيبهم حاسم في اقامة المشروع الاستيطاني الاجرامي وترسيخه ووحشية الاحتلال وتشكيل مصدر إيحاء له عبر سنوات طويلة. ولكن ما هو البديل الواقعي؟ حكومة "الليكود" برئاسة بنيامين نتنياهو؟ أم فشل جديد لحزب "العمل" برئاسة بيريز؟ لن يحدث هنا انفجار كبير حقيقي. حقيقة ان المحللين اختاروا مثل هذا المصطلح الدراماتيكي لوصف التغيير الذي هو كله هيكلي وتنظيمي، يدلل بالأساس على قلة التوقعات. الانفجار الحقيقي السياسي كان سيحدث هنا فقط لو تشكل حزب يقترح نهجا آخر من حيث الجوهر مغايراً لذلك النهج الذي سارت عليه اسرائيل حتى الآن. ولكن هذه مجرد أضغاث أحلام في واقعنا الحالي. لذلك يتوجب التنازل عن الانفجار السياسي الأكبر واختيار "فقاعة صغيرة": شارون لرئاسة حزب "العمل" لتطبيق خطوة اخرى أو اثنتين الى أن يتغير الوعي وأن يولد الزعيم الشجاع فعلا الذي يقودنا نحو الانفجار والحدث السياسي الأكبر.

رئيس حزب "العمل" ارييل شارون؟ ليس لطيفا، ولكن ليس سيئا ربما بالمقارنة مع البدائل المتوفرة.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)