يبدو أن الادارة الاميركية الحالية لن يهدأ لها بال الا في حال أحكمت قبضتها على سورية، بعد أن شكلت الأخيرة طيلة الفترة السابقة عقبة رئيسية أمام المشروع الأميركي الرامي الى ألاستحواذ على منطقة الشرق الأوسط، وعائقا أمام استكمال واشنطن لاستراتيجيتها الخاصة باعادة رسم خريطة المنطقة بالشكل الذي يتوافق مع مصالحها ومصالح حليفتها الاستراتيجية «اسرائيل», فالادارة الاميركية تعي جيدا بأن مشروعها في الشرق الأوسط لن يتم بالشكل المطلوب دون سورية. و نظرا لوجود العداوة البغضاء التي يكنها صقور الادارة الاميركية (القريبون من اسرائيل) لسورية وسعيهم الدؤوب الى النيل من دمشق سواء عبر سن قوانين أميركية كقانون محاسبة سورية أو عبر تأليب المجتمع الدولي كما حصل مع القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، فنرى كيف أن الادارة الاميركية ومنذ فترة بعيدة وهي تبذل جهودا مضنية ضد سورية من خلال حملات التربص الرامية الى احكام قبضتها على دمشق حتى تكون غير قادرة على مواجهة المخططات الاميركية في المنطقة، لذا كان لا بد من تحجيم الدور الاقليمي السوري من خلال اضعاف عناصر القوة التي تمتلكها كما حصل مع الانسحاب السوري من لبنان, الا أن الحراك السياسي الأميركي ضد دمشق بدأ يأخذ منحى أكثر خطورة خلال الأشهر القليلة الماضية بعدما بدأت مجموعة من أعضاء الكونغرس (القريبين من اسرائيل) مناقشة كيفية تفعيل قانون «تحرير سورية» الذي يدعو الى اضعاف أو قلب النظام السوري عبر تقديم المساعدة للراغبين في ذلك الأمر وهو ما قد يفسر التحرك المفاجئ لبعض شخصيات المعارضة السورية في واشنطن!

و في ظل تعثر المشروع الأميركي في العراق والخسائر المادية والبشرية التي تتكبدها القوات الاميركية هناك، نرى أن الادارة الاميركية تصر على تحميل سورية مسؤولية ذلك الوضع المتردي حيث أصبحت دمشق شماعة الفشل الأميركي بامتياز! و مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في بلاد الرافدين والاصرار الأميركي على تحميل سورية وزر ذلك التدهور، فقد تقدم أحد مراكز الأبحاث الاستراتيجية في الولايات المتحدة بمجموعة من المقترحات التي ترمي الى تضييق الخناق على سورية في حال لم تستجب المطالب الاميركية بخصوص العراق، حيث من المعروف أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على مراكز الأبحاث الاستراتيجية! فتحت عنوان «حان الوقت لتضييق الخناق على سورية» أصدر معهد هوفر للأبحاث الاستراتيجية في واشنطن دراسة خاصة لـ «بيتر شفايزر» تتناول كيفية اضعاف النظام السوري وسبل الحد من نفوذ دمشق في المنطقة! يقول شفايزر « يجب أن نسعى الى اقناع حلفائنا الأوروبيين بتشديد الخناق على دمشق عبر قطع الدعم التكنولوجي والاداري الدولي عنها، فأي شركة نفط دولية على سبيل المثال لن تخاطر بتعريض نفسها للاستبعاد من السوق الاميركية مقابل الحصول على عقد مع الحكومة السورية,,, وهناك عوامل أخرى يجب أن نستخدمها وهي: خط الغاز العربي الذي سوف ينقل كميات هائلة من الغاز الطبيعي الى سورية بعد أن يكتمل انشاؤه قريبا، وهناك العديد من المشاريع البتروكيماوية الضخمة التي تعتمد على التمويل من مؤسسات دولية مثل مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي وهي ذات أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد السوري»(عمان العمانية 10/8/2005). و تشير الدراسة الى أن الضمان الوحيد لعدم دخول هذه المقترحات حيز التنفيذ هي أن تبادر دمشق الى الشروع في تنفيذ ما هو مطلوب منها اميركيا! الا أن اللافت للنظر أن الدراسة قد أعطت مؤشرا خطيرا حول مدى تحكم الولايات المتحدة بالبنك الدولي، حيث من المعروف أن الرئيس الحالي للبنك هو «بول وولفويتز» احد ابرز صقور الادارة الاميركية واحد ابرز المناهضين لسورية ومن المقربين جدا لاسرائيل! فهل لنا يا ترى أن نتصور كيف يمكن أن تستغل الولايات المتحدة هذه الورقة لممارسة المزيد من الضغوط على دمشق عبر تهديد اقتصادها، خصوصا في حال دخلت التهديدات الاميركية حيز التنفيذ! على صعيد آخر لا تبدو الولايات المتحدة في وارد التهدئة مع دمشق، بل أن حملتها الشرسة التي لا هوادة فيها ما تزال مستمرة في احدث فصول حملات التربص الاميركية ضد سورية والتي بدأت بصماتها واضحة في النتائج الأولية التي أظهرها «تقرير ميليتس»! فقد تعرضت سورية مطلع الأسبوع الجاري لضغوط دولية (و اميركية) جديدة عندما طالبها مجلس الأمن بان تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في حادثة اغتيال المغفور له «رفيق الحريري» في فبراير الماضي بعد أن اتهم رئيس فريق التحقيق الدولي في حادثة اغتيال الحريري سورية بحجة عدم تعاونها مع لجنة التحقيق، الأمر الذي تسبب -حسب افادة ميليتس- في عرقلة عمل اللجنة المكلفة! و هو ما حذا بأطراف عدة استغلت ما ورد في التقرير لممارسة المزيد من الضغوط على سورية خصوصا وأنه لم يعد خافيا الدور البارز الذي لعبته الولايات المتحدة داخل أروقة مجلس الأمن للزج باسم سورية (بهذه الصورة) واقحامها في «تقرير ميليتس»!

من الواضح أن الضغوط الاميركية ستستمر على دمشق والعواصف الاميركية ستبقى تحاصر سورية والاتهامات المتكررة لكبار المسئولين الأميركيين ستستمر أيضا سواء المتعلق منها بلبنان أو في ما يتعلق بمسألة ضبط الحدود مع العراق، حيث بدا واضحا أن الذي يثار من قبل الولايات المتحدة ليس هدفه نشر الديمقراطية في سورية كما تزعم الادارة الاميركية، انما الهدف الحقيقي يبدو أبعد من ذلك! فدمشق تدرك بان الاستحقاقات الاميركية المطلوبة منها لن تقف عند حد مسألة ضبط الحدود مع العراق أو التعاون مع «لجنة ميليتس»، فهذه ليست سوى أدوات و أوراق ضغط تستغلها واشنطن لتحقيق مآربها الحقيقية ضد دمشق حيث تشكل الملفات المتعلقة بحزب الله والوجود الفلسطيني على الأراضي السورية والعلاقة مع ايران والموقف السوري من قضية الصراع العربي الاسرائيلي، أهم المسائل والقضايا التي تسعى واشنطن لتصفيتها وحلها مع دمشق حتى يتسنى لها بعد ذلك ضمها الى العباءة الاميركية وبالتالي تسهل مهمتها في تحقيق ما تبقى من مشروع الهيمنة الاميركية على المنطقة,,, أو ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير!

مصادر
الرأي العام (الكويت)