التزمت العلاقات بين سورية وإيران بجملة من الثوابت الاستراتيجية ، التي عكست تجلياتها في كثير من المناحي السياسية ، وتجاوزت بمهارة مجموعة طويلة من التحديات والمطبات الإقليمية ، حيث وقفت متانتها ضد عدد من العواصف التي استهدفت فك الارتباط والتلاحم ، تمهيدا لتصفية قائمة من الحسابات الدولية مع هذا الطرف أو ذاك، وبرغم حساسية البيئة التي تحيط بالدولتين ، إلا أن ثمة مؤشرات كشفت عن احتمال الدخول في مرحلة من التباعد ، تفرضها تقديرات تتعلق بخصوصية تقويم بعض التطورات ، لذلك كانت زيارة الرئيس بشار الأشد لطهران يومي السابع والثامن من أغسطس ، ظاهرها للتهنئة بالرئيس الايراني الجديد محمود أحمدي نجاد، وخلفياتها تقف على أعتاب تأكيد متانة العلاقات ومنع انزلاقها في أتون أجواء إقليمية مضطربة ، قد تؤدي إلى إعادة النظر في بعض المكونات التي قامت عليها طوال السنوات الماضية ، فهناك أحداث متسارعة وواقع يتشكل حولهما ، له مفرداته السياسية وقسماته الأمنية التي تؤثر على كثير من الثوابت التقليدية •

والواقع أن العلاقات المشتركة بين دمشق وطهران احتفظت بحيويتها وأبقت على عافيتها وقاومت سلسلة من الضغوط ونجحت في تجاوز حزمة من الصعوبات ، استنادا إلى ارتباط مصير كل دولة بالأخرى ، من زاوية أن تفكيك عوامل القوة ونزع أوراق المناورة لدى واحدة يمهد الطريق للنيل من الثانية بوسائل متعددة ، فقد وضعتهما الولايات المتحدة في سلة عدائية واحدة تقريبا ، بعد ضمهما إلى قائمة ما يسمى بالدول المارقة ، أي الرافضة للتصورات والسياسات الأمريكية فى المنطقة ، وبالتالي تولدت حاجة كبيرة للإقصاء وعزيمة جامحة في التطويق، أملا في التدجين ورغبة في إعادة تشكيل واقع يتخلى عن شعارات وأدبيات مرحلة تعتبرها كثير من الأوساط الأمريكية تم تخطيها ، لذلك تعرض البلدان ، وما زالا، لضغوط مختلفة، رضخا أحيانا لبعضها وقاوما معظمها ، لكن في الحصيلة قدم كل منهما تنازلات صعبة ، كان من الصعوبة توقعها في ظروف مغايرة ، فسورية قبلت على مضض بانسحاب قواتها من لبنان، وتكيفت إيران مع معطيات الاحتلال الأمريكي للعراق، وساهم التطوران الدقيقان في خلق مناخ جديد ، أفضت تداعياته الواضحة الى تحول في كثير من المفاهيم ، التي من الراجح أن ترخي بأثقالها على مكامن الصمود في العلاقات بين دمشق وطهران •

غموض وتداخل

الشاهد أن البيئة الإقليمية أصبحت حافلة بالقضايا المعقدة ، والملفات المفتوحة أمام واشنطن التي تسعى ، تارة بمفردها وأخرى بمعاونة عواصم أخرى ، إلى فرض جدول أعمالها على كل من سورية وإيران ، فالسيولة التي تتسم بها الأوضاع في العراق والغموض الذي يغلب على مستقبل القضية الفلسطينية والتداخل الذي أضحى عليه عليه الوضع في لبنان كلها محددات تنحو لمزيد من التريث والتعامل مع هاتين الدولتين ، ويؤدي المأزق الذي تعيشه الإدارة الأمريكية إلى فرملة الاجتهادات العسكرية نحو أي منهما ، كما أن التباين الظاهر في أولوية أيهما تسبب في خلط كثير من الحسابات السياسية ، ففي وقت سابق تخيلنا أن واشنطن أعدت وسائلها لإدخال النظام السوري حيز الاستهداف المباشر عقب إسقاط النظام العراقي ، والآن تتزايد ملامح التركيزعلى إيران ، بعد تأكيد رئيسها الجديد على المضي قدما في البرنامج النووي ، ومع ذلك فغموض جدول الأولويات قد يكون مقصودا لتحقيق غايات آنية والوصول لأهداف مؤجلة ، لاسيما أن بورصة المساومات والتنازلات بدأت تكشف عن نفسها في بعض المواقف الأمريكية •

وسط هذه الأحداث واستنتاجاتها كان من المفروض أن يتواصل التلاحم ويستمر التقارب في المستقبل ، غير أن هناك عددا من المؤشرات في الأفق الإقليمي، سوف تقود تطوراتها إلى تراجع نسبي في العلاقات السورية - الإيرانية ، فالتحركات المتسارعة والرؤى المتقاطعة تفرض سياسات متلاحقة واجتهادات متوازية تتواءم مع عمق التحولات الحاصلة في الفضاء الإقليمي الذي يحيط بالدولتين ، وخذ عندك الموقف من العراق ، ففي الوقت الذي تكيل فيه حكومة إبراهيم الجعفري الاتهامات لسورية ودورها المزعوم في تغذية المقاومة وروافدها ، نجده ذهب إلى طهران قبل أسابيع وعقد اتفاقين مهمين ، أحدهما لتبادل المعلومات الأمنية بهدف استقرار العراق ، والثاني لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي ودعم تدفق صادرات إيران إلى بلاده ، بمعنى أنه مقتنع وراغب في تكريس علاقات مشتركة تقوم على أساس المصالح ، وهو ما يتعزز بإيحاءات أمريكية واضحة حيال تشجيع المضي قدما في الاتجاه نفسه، وفي هذا السياق علق شون ماكور ماك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية على الزيارة قائلا: ’’ نشجع العراق على إقامة علاقات جيدة مع كل الدول المجاورة بما فيها إيران التي يمكنها أن تلعب دورا أكثر فائدة ’’، من هنا ذهب بعض المراقبين الى التأكيد على أن الحل السياسي الجاري في العراق يميل نحو إيران ويتعارض مع سورية ، وبالتالي فاحتمالات الصدام السياسي بينهما في العراق واردة ، وإذا كانت هناك ظروف ومواءمات حالت دون ظهور هذه النتيجة بوضوح ، فإن تمرير الصيغة الشيعية سيؤدي حتما إلى تقاطع في المصالح وتراجع في العلاقات •

ملامح ومؤشرات

وتتزايد أهمية هذا الاتجاه ، في ظل أربعة ملامح ، أولها ميل الولايات المتحدة إلى الاعتماد على إيران في حفظ أمن العراق وتطويق المقاومة التي تقودها قوى سنية فاعلة ، وفي هذه الحالة يمكن إثارة غضب سورية التي تراهن على المقاومة في تغيير كثير من أنماط التفكير الاقصائي الأمريكي ، وثانيها تصاعد النفوذ الإيراني في العراق ودوره في التأثير على بعض التوازنات التي تستفيد منها سورية بصورة غير مباشرة ، وثالثها تعميق التحالف بين الشيعة والأكراد وتفاهمهما على أهمية الدور الإيراني الذي لا يمانع في إقرار الفيدرالية باعتبارها تحقق مصلحة إيران في إضعاف الدولة العراقية ، في حين يمثل ذلك تهديدا للمصالح السورية ، ورابعها الغياب اللافت للدور السوري والعربي بشكل عام عن العراق ، وهو ما جعل بعض الخبراء لا يستبعد عودة واسعة لجدليات الخلاف بين السنة والشيعة ، خاصة أن طهران عازمة على ترسيخ نفوذها ، الأمر الذى يؤدي الى خلق بؤر لحساسيات غير مبررة ، وفي هذا المجال يعتقد بعض الخبراء أن الانسحاب السوري من لبنان أضعف دمشق لحساب طهران ، التي سوف تتزايد مكانتها كراعية للطائفة الشيعية وحزب الله فى لبنان •

ومن جهة أخرى يصعب التقليل من حجم الهواجس التي بثهـا الملك الأردني عبد الله الثاني بشأن ما يوصف بالهلال الشيعي والذي تستبعد محتوياته ومحاوره سورية ، وبصرف النظر عن أغراضه الحقيقية ودوافعه السياسية ، فهو مؤشر آخر على عدم استبعاد حدوث فراق بين دمشق وطهران ، خاصة أن الأخيرة حريصة على عدم المبالغة في تقديرها لعلاقاتها مع سورية ، فعندما أشار ناجي عطري رئيس الوزراء السوري خلال زيارته لطهران العام الماضي الى قيام جبهة من البلدين سارعت إيران الى النفي بدبلوماسية ، ما يؤكد أن توجهاتها تحكمها معايير استراتيجية لا عواطف وانفعالات سياسية ، ويفتح الباب في أي لحظة لإعادة النظر في بعض الثوابت التي ظلت مسيطرة على كثير من مفاصل العلاقات المشتركة،ويقود هذا الاستخلاص إلى إمكانية أن تستبدل طهران دمشق ببغداد،لأن هناك مجموعة من العوامل التي الحفاظ على دمشق في ظل الاتجاه لتعظيم العلاقات مع بغداد •وعلى هذا الأساس هناك ثلاثة خيارات لشكل العلاقات بين سورية وإيران ، الأول استمرار حالة الهدوء التي بدأت تخيم عليها طوال الأشهر الماضية ، فالأوضاع لم تتقدم إلى الأمام لتضفي خصالا جديدة تساعد على تدعيمها ولم تتراجع بصورة يمكن القول إنها على حافة الهاوية ، والثاني فك معالم الارتباط بالتدريج فكلما اقتربت طهران خطوة نحو واشنطن ابتعدت خطوات عن دمشق والعكس ، وكذلك الحال بالنسبة لسورية ، أي أن الولايات المتحدة تتحكم في كثير من المفاتيح ، وبموجب نجــــاحاتها واخفــاقاتــها في المنـــطقة نتعــــرف على عدد معتبر من اتجاه العلاقات بين دمشق وطهران ،والثالث الإعلان عن تحالف بين البلدين والتعامل مع المعطيات الإقليمية الحــــرجة باعتبارها تنطوي على مصير مشترك ، وبرغم مغريات هذا التحالف غير أن تحدياته كبيرة ، لذلك سوف تظل العلاقات على المحك حـــتى يتم جلاء الموقف وانهاء الاشتباك حيال كثير من الملفات •

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)