الحرية والمسؤولية الفردية هي اساس الدين ، وما يجزى عليه المتدين هو ذلك السلوك الطوعي النابع من الارادة الحرة والطوعية والتي تعتمد المثل قبل المصالح . ولا يمكن تشكل سلوك ديني من دون توفر الحرية , فالعبودية لله تعني التحرر من كل سلطان آخر غير سلطان الحق الذي يصرخ به الضمير الذي يمثل صوت الله في دواخلنا . والله الذي يتحكم بكل شيء وحده ، ترك للانسان الحرية ، و ليس لأحد أن ينصب نفسه بديلا عن الله يفرض إرادته على الآخرين ، فكل إنسان في النهاية تحت ألطاف الله ، و هو برغم حريته في الاخيار ومسؤوليته , لكنه لا يملك حتى مصيره ، وليس له أن يشاء حتى يشاء الله ، فالسيد الوحيد المالك المسير للكون هو الله ، الذي لم يشارك أحد في ملكوته ، وما تبقى من مخلوقات تدين له وتخضع طوعاً وكرها، ومن محبة الله ولطفه بعباده ، ومن دواعي مسؤوليتهم ومحاسبتهم أن ترك لهم حق الاختيار ، وكون لهم إرادة حرة ، ووضع فيهم ضميرا محاسباً ، وتركهم يختارون ويشاءون ويفعلون ، ويؤمنون ويكفرون ، لكن ما ينتج عن أفعالهم هو فقط ما ييسره الله ،فالله هو من بسير الكون كما يريد ، والله ليس في حاجة لأن يتدخل لتغيير إرادة البشر وثنيهم عما يريدون عنوة ( وإلا لما استحقوا الحساب ) ، كما أن الله لا يناقض في كل لحظة ناموسه وقانونه المستمر الحاكم لكل المخلوقات ( القضاء ) ، لأنه يتدخل باستخدام وسيلة أخرى لا تتناقض مع الناموس الحاكم لكل وجودوالذي يمكننا ادراكه بعقلنا والافادة منه ( القضاء )، ولكنه يتدخل بواسطة ( القدر : أي بواسطة التحكم بالزمن ) ، وهو ما نسميه الصدفة ، فتزامن حدوث الأشياء ضمن حركية شاملة لا تنتهي تحكم كل شيء في الوجود , هي طريقة التدخل الإلهي الفاعل في الكون ، ولا تتحقق المعجزات في مناقضة ناموس الكون وقانونه ( القضاء ) ، بل في انجاز غايات لا يمكن أن تتحقق بدون توجيه عامل الزمن والتحكم به بشكل حكيم ومنضبط ، من أجل غاية مرسومة بعناية تحسب كل شيء وتحيط بكل شيء . فكل حركة في الكون محكومة بقدر وزمن وسرعة , وعندما تتصادف الأشياء فهي لا تتصادف عشوائياً كما نتوهم (لأننا ندرك الجزء فقط ، ولو كانت لنا القدرة على عبور الزمن وتغطية المكان , لأدركنا الغايات التي تتحكم في الزمن وفي الوقائع التي هي دوماً علمية وخاضع لقوانين ثابتة ) فهذه الصدفة التي نتوهم أنها عشوائية ، هي التي تضبط سير الكون وتضمن أن لا تذهب به إرادة البشر بعكس ما يريد الخالق ، لكنها أيضاً لا تلغي مسؤوليتهم وحريتهم ، المبنية على إدراكهم وعقلهم لقوانين الكون ( القضاء ) ومحاولتهم التحكم بها ، ليبقى بعد ذلك التوكل الذي يغطي الجانب الذي لا يتحكمون به ولا يعقلونه ، وهو شيء ما يتعلق بالزمن .

بهذه الطريقة نخط طريقاً جديداً ومختلفاً لفهم القضاء والقدر ، والحرية والقدرية ، والعقل والتوكل ، والرزق والسعي ، والعمر والصحة ، و بها نستطيع أن نفهم الآية وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، على أنها ليست إلغاءً لإرادة الناس ومسؤوليتهم وحريتهم .. وهكذا نعلم أننا لسنا مسؤولين عن النتائج بل عن السعي ، وعلينا فقط أن نسعى ، وما سيحدث مرهون بمشيئة الله ، لكنه أيضاً لن يحدث من دون توفر الظروف العلمية لحدوثه والتي علينا السعي من أجلها ، وارادتنا وعملنا جزءا منها ، فلا ننتظر أن تمطر السماء الذهب والفضة ، أيضاً لا نعترض على سير التاريخ ، فنتطرف ونفرط ونغالي في استخدام الوسائل ، ولكن فقط نحاول كسب ثواب السعي نحو ما نراه أنه الخير وأنه الحق ، وفق الأسس والوسائل التي تنسجم مع الغايات ، فالوسيلة بحد ذاتها هي غاية ، والمؤمن لا يستخدم الوسيلة الخطأ من أجل غاية صحيحة ، لأن التاريخ ليس مسؤوليته , والنصر ليس بعمله فقط , وهو من عند الله ( وهذا يجب توضيحه لكل المتشددين فكرياً و عبادياً وجهادياً ) ، وهكذا نتقبل التاريخ ونساهم به ، ولا نخاف ولا نتوانى طالما أن الله معنا في كل خطوة ، وأن ما سيحدث لنا سيحدث بمشيئته ، وليس لنا سوى أن نتقرب أكثر من الحق ونسعى نحوه متكلين على الله العليم الخبير البصير اللطيف بعباده ، وعلى هذا أيضاً فليس لنا أن نجبر الناس ونصادر إرادتهم وحقهم في خوض الامتحان الذي أراده الله لهم ، بما فيه حقهم في الاختلاف ، لأننا في النهاية لن نكون مسؤولين عن النتائج وعن هدى الناس بالقوة ، بل فقط عن أنفسنا وعما بذلناه من جهد وما اتبعناه من قيم ومثل ، وعن استجابتنا لصوت ضمائرنا التي تنطق دوماً بالحق ، فنحن نعيش دوماً الحضرة الإلهية ونتصل بها عدة مرات كل يوم ، ولسنا بحاجة ماسة لمن يقودنا على طريق الحق ويفرض علينا وصايته ، وإن كان من واجبه ومن حقنا عليه ، أن يرشدنا ويدلنا على طريق الخير بالحسنى والموعظة الحسنة فقط .

إن قوة الدين تظهر في ساحة اشتغاله أي في الضمير ، وفي تلك الرابطة بين الإنسان وربه ، أما قوة القرآن فهي في داخله ، في محتواه المتوفر لكل من يقرأ ، والقرآن ليس بحاجة إلى قوة سياسية قانونية تفرض سلطانه ، لأن سلطانه الحقيقي على عقول وضمائر البشر ، وهذا أقوى وأهم ، ومن الخطأ أن نكلف شخصاً أو فقيهاً في تفسير وشرح واقتباس الشريعة منه ، فهذا واجب كل من يقرأ ويفهم ويتفكر ، لأن محتوى القرآن متجدد بتجدد الحدث والظرف والقراءة والحاجة والعقل ، وهذا هو الكنز الثمين فيه , وليس نظامه التشريعي القانوني الذي ضرب مثلاً لزمان ومكان معينين ، و قدم جواباً عمليا على أحداث زمنية محددة ، يتجاوزها الزمان ويصبح بالإمكان تطويرها باتجاه أشكال أكثر رقياً وحضارة وأقل وحشية . عندما يتحدث أحدهم عن نظام سياسي قرآني ، لا يتنطح أحد ليرينا متى كان هذا النظام مطبقاً على السياسة وما هو شكل تطبيقه ، بل الكل ينكر أو يزور التاريخ الذي يقول باستحالة تطبيقه السياسي بشكل واحد جامد ، بشكل مطابق للصورة المثالية المرسومة عن المرحلة التأسيسية ، والتي لا يوجد ما يدل على أنها هي ذاتها صورة واقعية .. بل إن الجميع يتوقفون باندهاش أمام الصور الأسطورية المرسومة بعد قرون للشخصيات الإسلامية الأولى ، ويكررون الحكايا المدهشة عن العدالة والاستقامة والنزاهة ، والتي تعتمد على قوة الشخصية وإيمانها ، وليس على النظام الذي يجبر الشخصيات على سلوك معين ، فإذا لم تتوفر تلك الشخصيات ماذا نفعل ؟ طبعاً يطالب من يدعون ذلك ضمناً أن نعتبرهم هم وحدهم ( ربما لأن لهم ذقوناً شرعية ) ورثة تلك الشخصيات ونسخاً عنها ، وخير خلف لخير سلف ، وتشطب بعد ذلك كل الأحداث والشخصيات والقصص التي يذخر بها التاريخ ، والمليئة بما يعاكس ما يقال ويحكى من قصص وأساطير وخيالات ، والتي ليست غير صور قبيحة للتسلط والاستبداد والفجور والإجرام .

تستفيد تلك الدعوات من تزايد الرغبة في العودة للدين وفي تأكيد دور الدين , بسبب انتكاس عملية التقدم ,وبسبب الفقر الروحي والمعنوي الذي تعاني منه الحضارة بالمقارنة مع التقدم التكنولوجي ، وبسبب التثبت سياسياً في الزمن الإقطاعي في الدول الاستبدادية , حيث يلعب فيه الدين دوراً هاماً مكملاً . نحن لا نعترض أبدا على عودة الدين , كدين يعمل في مستوى القناعة والضمير والقيم والأخلاق والطقوس .. نحن نعترف بأنه ما يزال المنبع الأساس للقيم والمعاني والأخلاق ، ونحن بحاجة ماسة إليه . لكننا نعترض على جعل الدين مطية للراغبين في الاستبداد السياسي وباسمه ، فممارسة الدين شيء مختلف عن ممارسة السياسة ، والسلطة الدينية تقع في مستوى الضمير والقناعة ، بينما السلطة السياسية تقع في أيدي أشخاص قد يوسوس لهم الشيطان ، ولا يجب تركهم ينحرفون ويتعسفون ، بل لا بد من وضع النظم والقواعد التي تجعلهم يؤدون دورهم الذي فوضهم به الناس بأغلبيتهم وبقرارهم الحر .. الدين عندها لا ينتج السلطة مباشرة ، بل يؤثر في البشر الذين يختارون السلطة بحرية وتبعاً لإيمانياتهم .لأن الحرية هي شرط تكون الدين والوازع الداخلي .

فالعلمانية هنا تتطابق مع قيم الحرية والليبرالية ، وتنسجم مع الدين ، و لا تعني إنكار الدين ولا تجاهل دور الدين ، ولا تعني حذف الدين أو محاربة التدين ، بل تضع حداً أمام طموح رجال الدين لاستغلال مكانتهم الدينية في احتكار وممارسة السلطة السياسية الاستبدادية ، العلمانية تحاول أن تجسد قيم الحرية والدين معاً ، و تمنع انحراف الدين وقفزه من موقعه الحقيقي ، إلى موقع آخر يهدده هو ذاته ويسيء إليه . ويحوله من أداة لتعزيز القيم ، إلى وسيلة للتعسف والاضطهاد . ( فالأمر والإمارة أي الحكم هي شورى بين الناس ، تخضع لإرادتهم الحرة ، أي لصندوق الاقتراع ) وعلى هذا يكون مركز نزول الوحي الجديد ومكان صياغة الشريعة: هو اليوم في مجالس التشريع المنتخبة بحرية ، وليس مجالس الإفتاء .

مصادر
مرآة سوريا (سوريا)