وفت مجلة أبيض وأسود السورية الخاصة، التي يملكها السيد محمد بلال توركماني نجل السيد وزير الدفاع السوري الحالي، بدعوتها للكتّاب سوريين الذين ينشرون كتاباتهم في مطبوعات عربية خارجية لعدم توفر منابر إعلامية لهم في المطبوعات السورية، وقامت بنشر مقال كنت قد أرسلته لها مستجيبا لدعوتها، وكان ترتيب هذا المقال هو الثالث بعد أن أسبقته باثنين لم ينشرا بسبب عدم وصولهما إلى بريد المجلة الإلكتروني، حسب ما جاء في تعقيب المجلة على المقال المنشور. لا بد أن أسجل أن المقال لم يتأخر بالنشر، ولم تُحذف منه أو تُعدّل فيه ولا كلمة (حسب مراجعتي له).

ولا بد أن أسجل أيضا أن هذه الخطوة ليست كافية، لا من قبل المجلة ولا من قبلي، لنعتبر أن مسألة التعبير عن الرأي في سوريا أخذت طريقها في اتجاه الحل واليسر.

فأنا سأتابع إرسال المقالات للمجلة لأثبت أن ما أرسلته لها لم يكن من باب التحدي أو الإحراج، بل بقصد السعي لحل هذه المشكلة التافهة (بعد توفر الأنترنت). لكن سيكون في المقابل على المجلة أن تثبت أن دعوتها لم تأت من باب الإحراج والتحدي أيضا. لهذا سيترتب عليها التعامل مع الكتاب الذين تريد استكتابهم ككتاب وليس كسياسيين يبحثون عن منبر لإيصال رأيهم. فكاتب المقال السياسي هو أولا وأخيرا كاتب، وأنه يبذل جهدا مهما لتقديم آرائه بشكل يليق بالمطبوعة التي يريد النشر فيها، وكذلك احتراما للقارئ الذي سيقضي بعض الوقت في قراءة المقال.

وهذا يتضمن وجوب تقديم أجر أو مكافأة من المجلة للكاتب كتعبير عن احترامها لجهده وخياره بأن ينشر فيها. كما أن مطالبة الكاتب بالمكافأة المالية هي (بالنسبة لي) احتراما لقوله. أتمنى أن تستمر المجلة في دعوتها واستعدادها لنشر الرأي المخالف والمعارض، وأتمنى على بعض الكتاب أن يرسلوا للمجلة ما يغني صفحاتها ويثريها، علّ القارئ السوري يجد بين يديه مجلة سورية ومقالات سورية. وعلّ وزارة الإعلام والسلطة السياسية تجد أن في ذلك حال طبيعية وآمنة.

الوطنية ليست شرطا للمواطنة

في دعوة تطوي الكثير من التشكيك والإحراج، دعت مجلة أبيض وأسود الكتّاب السوريين، الذين ينشرون كتاباتهم في بعض الصحف العربية الخارجية، إلى الكتابة على صفحاتهم تفنيدا لحجتهم أنهم لا يجدون من يقبل بنشر كتاباتهم في سوريا. وكانت المجلة قد اشترطت على تلك الكتابات أن تكون "تحت سقف الوطن"، إضافة لالتزامها بقانون المطبوعات سيء الصيت.

هذا الشرط أو تلك العبارة ليست من صناعة المجلة بل هو قول رائج ومعتمد تردده الكثير من أوساط السلطة الثقافية في إشارة واضحة منها إلى وجود أوساط وأفراد من المثقفين السوريين يشطون أحيانا، أو دائما، بعيدا عن سقف الوطن أو عن خدمته، مما يجعل من أعمالهم ونشاطاتهم وأقوالهم خدمة لأعداء الوطن.

دعوة المجلة فيها إقرار صريح بأن هؤلاء الأشخاص المدعوون للكتابة لديها هم كتّاب وأنه لن يسوءها على المستوى التقني والفني، على الأقل، أن تنشر لهم. وبالمقابل لن يفهم الكتّاب أن في دعوة المجلة قبول تلقائي بكل ما يرسلونه إليها، فهذا أمر بديهي ولا مشكلة فيه، إنما المشكلة في ذلك الشرط: فأن أرسل مقالتين للمجلة ولا تنشر أي منهما، ولا يصلني أي رد منها حولهما (مع وجود تراسل سابق يؤكد صحة العناوين) فهذا معناه بدون أدنى التباس أن فيما كتبته شططا عن سقف الوطن. وباعتبار أن ما كتبته يعبر تماما عن بعض آرائي فهذا سيضعني بشكل تلقائي وأكيد خارج وطن المجلة، أي أني لست وطنيا.

وفي هذا، أيضا، ادعاء من المجلة والقيمون عليها أنهم يمتلكون الأهلية والشرعية إقرار مثل هذا الحكم القيمي. وأنهم أصحاب، أو من أصحاب، وضع مقاييس وقياسات الوطنية السورية. وهذا، بالتأكيد، ليس من حقهم ولا من حق أحد أو جهة واحدة أو ثانية. غير أن ادعاء كهذا، أو بالعموم وضع حدود وأسوار للوطنية نافية ونابذة لكل من هم خارجها لاغية عنهم الاعتراف بحقهم الوطني، ليس، أيضا، اجتهادا محسوبا للمجلة أو عليها. إذ أن الغالبية السورية، الغالبة والمغلوبة، في جميع الأوساط وخاصة منها المهتمة أو المعنية بالسياسة والثقافة تقيم وتنصب مثل هذه الحدود والأسوار على هواها فاصلة بينها وبين سواها من الجماعات والأفراد والثقافات الأخرى، ناكرة عليهم صفة الوطنية.

هذه الادعاءات والممارسات تجعل من مفهوم الوطنية مفهوما مخبوصا وغير واضح ولا يفيد بأن يكون قضية جامعة للسوريين بل ينكفئ إلى أن يكون نابذة تنتهي بالخيانة والعمالة. وهذا التخبيص في مفهوم الوطنية يرافقه، أو ينتج عن، تخبيص في مفهوم الوطن. بل كثيرا ما نرى عند البعض من الكتاب والمهتمين ممن يحاولون مقاربة هذا الموضوع خبصا جديدا وخلطا بين المواطن والوطني في إنشائيات لغوية ساذجة.

فالوطنية ليست غير قيم اجتماعية-سياسية ليست كثيرة توضع أو توصّف من قبل جهات وأطراف اجتماعية-سياسية متوافقة ومتفقة مع بعضها لتشكل أكثرية مهيمنة. وبالتالي ـ كما بنفس الوقت ـ لا يحق لجهة واحدة مهما كانت غلبتها العددية أو القسرية أو العنفية أن تعمم قيمها ومفاهيمها للجوامع الوطنية على أنها الوطنية. وبالتأكيد، وبكل تأكيد، ستحتاج أي جهة غالبة لتكون أكثرية غالبة أن تكون كثرتها ناجمة عن غلبتها الشرعية.

فعلمانية الدولة أو فصل الدين عن الدولة، على سبيل المثال، قيمة وطنية في الغرب الأوروبي، ومع ذلك نجد في تلك البلدان جماعات وأفراد لا يحترمون هذه القيمة ولا يمتثلون لها، بل ويعملون على استبدالها (كبعض الجماعات الإسلامية مثلا). ومع ذلك تبقى لهم كامل الحقوق والمساواة مع غيرهم ممن يتبنون تلك القيمة الاجتماعية-السياسية، ولا أحد ينعتهم بالاوطنية. وفي مثال معاكس، ففي البلدان التي تعتمد الشرائع الدينية ناظما لحياة أفرادها المدنية، يجب عدم انتقاص حقوق الأفراد الذين يريدون فصل الدين عن الدولة، وألا يجعلهم موقفهم هذا لاوطنيين.

أما سقف الوطن عندنا (حسب تسميات السياسة المسيطرة) فهو ليس أكثر من خطوط حمر تضعها السلطة حسب رؤيتها أو مصلحتها. وهو سقف غير ثابت يتحرك تبعا للتحولات والتغيرات التي تطرأ على السلطة أو على آليات سيطرتها. وهذا نلحظه بوضوح في السنوات الأخيرة، فسوريا الرأسمالية التي تأخذ باقتصاد السوق ولو كان "اجتماعيا" وطنيتها مختلفة عن سوريا التي تعتمد الاقتصاد الموجه "الاشتراكي". وسوريا المعترفة بأكرادها وبحقوقهم قيمها الوطنية تختلف عنها في حالة الأكراد البدون. والوطن السوري القائم على تعددية سياسية غيره ذو نظام الحزب الواحد أو التعددية الحزبية. وسوريا التي كان يقودها مجموعة من القادة من أصحاب الحصانات الأمنية حيث سقف الوطن كان يحول دون مقاربة سيرتهم السياسية أو الأخلاقية، يرتفع سقفها الآن في ظل وجود قادة يتخلون عن مناصبهم لمجرد إتمامهم السن التقاعدي أو لاستقالتهم بمحض إرادتهم أو بدافع من ثرواتهم.

فالوطنية السورية (حسب السائد) كانت منذ وقت قريب حكرا على الفقر والفقراء منكورة على الأغنياء والثروات. وكانت مجبولة مع الفقر، فكل فقير وطني بالأصالة أو بالطبيعة. وكان مقياسها الفقر أو ادعاؤه ونبذ الغنى أو عيشه في السر، بل كانت مهاجمة الثراء وشتيمته واجبا وطنيا. أما اليوم فقد التغى هذا الاحتكار ولم يعد الفقر شرطا للوطنية. وبذلك، فالوطني هو شخص يعتقد بالقيم الوطنية السائدة أو المتوافق عليها بالأغلبية الاجتماعية ويتبناها ويعمل على تجسيدها وترسيخها. فتكون بذلك غاية أفعاله واعتقاداته ونشاطاته هي تحقق تلك القيم. لكن هذا، أي اتصاف الشخص بالوطنية، لا يعطيه امتيازا على أي مواطن آخر ولا بشكل من الأشكال. فصفة الوطنية لا تُكسب حقوقا لمواطن تفوق حقوق الآخر حتى لو كان هذا الآخر ليس وطنيا أو "لاوطنيا". فقلة الوطنية أو انعدامها لا ينتقص من حقوق المواطن شيئا، ولا يقلل من كرامته. استنادا إلى هذا سيكون من حق أي مواطن، وكل مواطن، أن لا يتبنى تلك القيم وأن لا يأخذ بها. بل له كامل الحق والحرية أن يعترض عليها ويعارضها ويعمل على تغييرها واستبدالها بالطرق النضالية ضمن الميدان السياسي أو الثقافي. أو في الحد الأدنى عبر فعل سلبي بأن لا يأخذ بها.

وبالعودة إلى موضوع مجلة أبيض وأسود واشتراطها الكتابة تحت سقف الوطن، فخلاصة قولي أني ولو كنت أخالف أو أعارض مفهوم أو قيم الوطنية السائدة في سوريا، والتي تحميها جهات السلطة وقسم كبير من جهات المعارضة السياسية والثقافية، فليس من حق أحد أو جهة إلغاء أي حق من حقوقي، ومنها التعبير عن رأيي وإشهاره وكتابته. وإن كان الواقع الراهن يجعل من المسيطرين على السلطة السياسية والثقافية الحيلولة دون نيلي فرصة مساوية لهم في الكتابة في المطبوعات السياسية السورية، خاصة في مؤسسات الإعلام الرسمي، بحكم سلطتهم واحتكارهم هذه المنابر، فمن اللائق ألا يقوموا بدور ممانعة الكتّاب من أصحاب الرأي المخالف أو المعارض أن ينشروا أو يشهروا آرائهم في مطبوعات خارجية عبر اتهامهم وتخوينهم أو النيل من كرامتهم. لؤي حسين

تعقيب المجلة: في تأكيد لدعوة مجلتنا لكل من يكتب في المطبوعات غير السورية، ويقول أن لا منبر له داخل الوطن.. نكرر دعوتنا المفتوحة من جديد، ونشير للسيد لؤي حسين أن مجلتنا لا تضع رقيبا لما نشر سوى ما فرض عليها وعلى غيرها من الدوريات السورية من مواد قانون المطبوعات ذي نضم صوتنا لصوتك بأنه رديء وليس فقط سيئ الصيت، أما عن ورود مواد سابقة للكاتب (حسبما ورد في المقال) فلا علم لنا بها، ويرجى إعادة إرسالها بالفاكس أو بالبريد الإلكتروني ليصار إلى نشرها؟