تصل أحوال الشعب السوري الدرك الأسفل ورغم ذلك تنأى جماهير الشعب بنفسها عما تسمي نفسها بِ " المعارضة " وهذا يشكل مسألة سياسية من الدرجة الأولى تستحق الدرس والتحليل دون أن تجرؤ " المعارضة " السورية على الخوض فيهما وذلك لأسباب سنأتي على ذكرها. كلما طل علينا وجه من وجوه المعارضة السورية من البنيوني الإسلامي إلى الترك الشيوعي مروراً بوجوه المجتمع المدني كقربى وكيلو والمناع والمالح وغيرهم، أكد لنا، وأقسم أغلظ الأيمان للتأكيد على أن المعارضة التي يدعو إليها لن تذهب في حال من الأحوال إلى حد الوقوف مع أمريكا ضد النظام الحاكم في سوريا بل ستدافع عن النظام في مواجهة الهجمة الأميركية !! ليعذرني هؤلاء السادة " المعارضون " ـ أو الأحرى الموالون ـ فليس ثمة أغبى من هكذا معارضة حيث تقف في مواجهة السلطة لكنها، وللعجب، تطلق النار بذات إتجاه نيران السلطة، تطلق النار على نفسها !! صدق المعارضة في تحديد مدى معارضتها هو ذاته ما ينزع عنها كل صدقية ! فإن كانت صادقة في هذا التحديد فذلك يؤكد ما يدعيه النظام تبريراً لوجوده ولسياساته من أن أولى أولوياته السياسية هي الوقوف بوجه المخططات الأميركية في المنطقة وأنه الجهة الوحيدة المانعة لتوسع الصهيونية. لئن كان فعلاً هذا هو التناقض الرئيس الذي تدور حوله السياسات الجارية في المنطقة، وهو ما تعترف به المعارضة على غفلة منها، فما الذي يبقى لتعارضه المعارضة ؟! تقول المعارضة أن مواجهة الهجمة الإمبريالية الصهيونية يجب أن تستند إلى نظام ديموقراطي يسمح لمختلف شرائح الشعب في التعبير عن ذاتها. لكن هذا القول ليس صحيحاً دائماً إذ أن من الأمور المتعارف عليها دستورياً هو تعطيل الدستور إبان دخول الأمة في مواجهة ساخنة. لئن كانت عصابة " البعث " الحاكمة في سوريا هي فعلاً في مواجهة مع ما تصفه بالهجمة الأميركية الصهيونية فلا يجب أن تعطى أية فرصة لأعداء البعث أن يدخلوا على خطوط المواجهة بل يجب أن تصطف كل الصفوف وراء البعث. لا أعتقد أن الغباء هو ما يحجب الحقائق عن رؤى المعارضة، بل هو الرعب. الرعب الذي أنزلته عصابة الأسد بالشعب السوري طيلة جيل كامل تجاوز كل الحدود التي يتحملها البشر وجعل منه سبايا مسكونين بالرعب وبالخنوع همهم الأول والأخير هو السلامة الشخصية ـ هكذا سبى بعث صدام الشعب العراقي. الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن العصابة الحاكمة في سوريا ليس لديها أي برنامج سياسي على الإطلاق وما الشعارات القومجية التي تطلقها بين حين وآخر سوى أصباغ تخفي ذمامة الخلقة. جاءت عصابة الأسد عام 1970 لهدف واحد وحيد وهو إيقاف قلب العروبة النابض عن النبض وقد فعلت ذلك بكل شراسة تنفيذاً لإرادة أجنبية. هذا هو بالتحديد حدود برنامجها السياسي وهو ما يعني تحريم كل البرامج السياسية على سوريا. ما الذي ستفعله عصابة حاكمة لا تمتلك برنامجاً سياسياً أللهمّ إلا الإبتعاد عن السياسة ؟ ليس لها ما تفعل سوى النهب والإثراء. مجموعة إثر مجموعة ترتقي هرم السلطة لتنهب ما طالت يداها وتثرى ولا تترك مكانها إلا لوحوش كاسرة جائعة أخرى. ما عساه يكون البرنامج السياسي الذي تعمل له عصابة البعث السوري بتشجيعها وبمشاركتها في أعمال القتل والتدمير الجارية في العراق ؟ الإرهابيون ذاتهم لا يقولون أن لديهم برنامجاً سياسياً فما عساها تقول عصابة البعث السوري ؟؟ هل تريد إعادة صدام إلى السلطة ؟؟ وما عساها تكون أهداف العصابة في لبنان ؟؟ الحفاظ على السلم الأهلي وقد قتلت العصابة البعثية ما قتلت من اللبنانيين ؟ أم حماية لبنان من العدوان الصهيوني وقد إحتل الصهاينة عاصمة لبنان إبان تواجد القوات السورية في بيروت ذاتها بقصد الحماية المزعومة ؟!! لئن كان للأمريكان برنامج سياسي في مجرى التطبيق فلا يجوز مقارنتهم بعصابة البعث التي ليس لديها أي برنامج سياسي. للمعارضة السورية وللشعب السوري أن يتعامل مع الأمريكان رفضاً أو قبولاً لبرنامجهم السياسي لكن ليس مع أو من خلال عصابة البعث التي لا هدف لها إلا مصادرة إرادة ومقدرات الشعب السوري لصالح حفنة من الخونة أعداء الشعب. الأمريكان على الأقل ليس لديهم مثل كل هذه الأهداف الشريرة ولذلك ليس غريباً على السوري البراجماتي أن يختار الإصطفاف مع الأمريكان ضد عصابة البعث الحاكمة وقد جرى مثل هذا المثال في العراق. من الغباء الفاضح أن تدعو المعارضة السورية إلى المصالحة مع النظام حيث أن مثل هذه الدعوة الغبية لا تجلب إلا تضليل الشعب. نظام البعث لم يعد لديه ما يصالح به. ولما كان قد تجاوز كل الخطوط الحمراء فإنه يدرك الآن تمام الإدراك أن أية مصالحة يمكنه أن يرضى بها من شأنها أن تسحب عنقه إلى المقصلة. لتتوقف المعارضة السورية عن الدعوة الغبية للمصالحة مع النظام الذي لن يصالح على الإطلاق، وليتوجه البنيوني والترك لمفاوضة الأمريكان حول ما يمكنهم من مساعدة الشعب السوري للتخلص من زعران ولصوص البعث.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)