ليس جديدا ولا مفاجئا ما حصل في لبنان امس . فمنذ حدث اغتيال الحريري والجميع في لبنان يتحدث عن النتائج التي سيؤول اليها التحقيق الدولي قبل ان يتقرر . لم يحتل لبنان الكويت ، ولم يكن لديه اسلحة عادية ليطور برنامجا لاسلحة الدمار الشامل . لكنه رغم ذلك حرر جنوبه ، وهدد ما هو اغلى من الكويت في ستراتيجية المحافظين الجدد الصهاينة . كان لا بد من صيغة ما لاسلحة دمار شامل من نوع اخر ، تبرر تدخلا دوليا ، يفضي كل تنازل امامه الى تنازل اخر ، حتى يصل الامر في النهاية الى التنازل الاكبر الذي يحقق الخطوة المطلوبة في المشروع الاسرائيلي . وعندما نقول كل ذلك فالامر لا يعني لبنان بقدر ما يعني سوريا لان اي فصل بين الموضوعين هو بمثابة فصل اللحم عن الظفر . لننسى التفاصيل ، ولنحدق في الخطوط العريضة كي نرى ان اغتيال الحريري هو بمثابة اجتياح الكويت ، وان لجنة التحقيق الدولية هي بمثابة المفتشين الدوليين ، وان القادة المستهددفين في لبنان هم بمثابة القادة المستهدفين في العراق ، وها هم الان معا في السجن الاميركي لا اللبناني ، وها امرهم بيد الاجنبي لا بيد القضاء المحلي ، بل ان هذاالاخير ينفذ الاوامر الدولية . والغاية هي هي : استكمال قافلة النظام الاقليمي الجديد الذي نصبته اميركا بعد سقوط جدار برلين ، واستكمال الاستسلام العربي امام المشروع الصهيوني . ما عدا ذلك كله تفاصيل ، وتنوعات في الاخراج تفرضها طبيعة الخشبة والفضاء المسرحي . لا بد ان هناك من سيقول : لكن سوريا والنظام اللبناني ارتكبا اخطاءا في لبنان ، وعلى الاخص الاجهزة الامنية . هذا صحيح ، وهذا ما ينطبق ايضا على العراق . لكن موضوعية الاعتراف بخطا طرف لا تعفي من موضوعية ادانة تواطوء وخيانة الثاني ، ولا تحجب الرؤية عن المخطط الدولي الصهيوني . اما اولئك الذين قرقعوا اذاننا بصراخ السيادة الوطنية المنتهكة بفعل الوجود السوري ، فليزفوا الينا اليوم عروس السيادة الوطنية التي تجعل من وزير العدل ومن مدعي عام لبنان ، وسائر اجهزتهما شيخ غفر لدى سيد العزبة الاجنبي . ولا يقول لنا احد ان اقطاعية السيد مشروعة لانها اتت من الباب العالي الاممي لا من الباب العالي الاميركي ، فليس هناك من يجهل ان كوفي عنان لا يرقى باي شكل الى اهمية بولتون داخل القبة الزجاجية . وليس هناك من نسي الفضائح التي تكشفت عنها حقيقة المفتشين الدوليين في العراق بعد ان حصل الاحتلال ، واصبح كشف الحقيقة وعدمه واحدا . اما لماذا اشتدت الوتيرة في لبنان ، فان الامر اشبه بلعبة " السيسو " التي يركبها الاطفال ، كلما هبطت من جهة ارتفعت من الاخرى في حين انها قضيب حديد واحد. صورة تنطبق على صعيدين : الاول اقليمي والثاني دولي . ففي الاول كلما ازداد الضغط على الاميركيين في العراق زادوا ضغطهم على لبنان وسوريا ، وكلما اردوا تمرير شيء هناك غطوه بنيران ضجة هنا ، وليس من قبيل الصدفة ان تاتي احداث لبنان مع ظهور جريمة الدستور العراقي . اما في الثاني ، اي الدولي ، فكلما شعرت الولايات المتحدة بانها تتراجع على ساحة من ساحات العالم ، ونحن الان امام تراجعين مهمين في اسيا وفي اميركا الجنوبية ، كلما شعرت بان احكام قبضتها على العنق العربية هو الدرع البشرية النفطية الجيوبوليتيكية التي يمكن ان تحمي بها هيمنتها الامبراطورية ... واسرائيل .

مصادر
الدستور (الأردن)