حتى اليوم لم يُعرف العنصر الرئيس الذي دفع آرييل شارون لتغيير تصوّره الاستراتيجي ـ الأمني من النقيض الى النقيض، واقتراح خطة فك الارتباط عن قطاع غزة وشمال الضفة. ثمة بالطبع جملة أسباب، لكن يبدو أنه توصل الى خلاصة مفادها أنه على الرغم من الإنجازات التي حققتها إسرائيل في مجال محاربة الإرهاب فإنها لا تستطيع حسمه. وهو أدرك أيضاً أن الاحتلال يمس مساً شديداً بمكانة إسرائيل الدولية ويقوض أسس مجتمعها واقتصادها. في مقابل صمت شارون في هذا الموضوع تتضح مواقف أذرعة الأمن من هذه الخطوة. فالشاباك، برئاسة آفي ديختر، لم يؤمن بفك الارتباط. وهو رأى كل شيء من منظار الإحباط وركّز على بناء الجدار الأمني، التي هي خطوة أحادية الجانب بحد ذاتها. في مقابله، التزم الموساد الصمت. فلا أحد من رجاله يتذكر أن رئيس الموساد، مئير داغان، أطلق موقفاً معيناً من موضوع فك الارتباط خلال المداولات الداخلية. موقف رئيس الأركان السابق، موشيه يعلون، كان سلبياً في البداية في أعقاب أحادية الجانب الذي تميّزت به الخطة ولأنه اعتقد أنه من شأنها أن تشكّل رياح داعمة للإرهاب. التحوّل عند يعلون حصل عندما بعث الرئيس بوش رسالة الضمانات الى إسرائيل. وفي تقديره، تم بذلك تجسيد "ثمن الخسارة" للفلسطينيين لقاء أفعالهم. في مقابله، أيّد وزير الدفاع شاؤول موفاز، وبشكل فوري الانسحاب الشامل من قطاع غزة. أما موقف شعبة الاستخبارات العسكرية، "أمان"، برئاسة اللواء أهرون زئيفي فركش، فكان أكثر تعقيداً. فقد جاء في تقدير "أمان" أن الجمهور الفلسطيني سيرى في إخلاء المستوطنات انتصاراً وان المتطرفين سيدعون ان القوة وحدها تستطيع إزاحة إسرائيل. ومع ذلك قدرت "أمان"، خلافاً لموقف يعلون، أن الإرهاب من قطاع غزة سيتقلص، لكن يُحتمل تعرض إسرائيل لنيران منحنية المسار من الضفة. بحسب تقديرات أمان، زاد احتمال تحسين إسرائيل لقدرتها الأمنية وتقليص الشرعية الدولية للإرهاب في أعقاب الانسحاب. فاتخاذ مبادرة سياسية سيقلّص تعلّق إسرائيل بجنون المنظمات الفلسطينية المتطرفة قبيل الاتفاق. ويقدرون في أمان أيضاً، أنه نشأت مشكلة في المجال السياسي مع الأردن. ذلك أن الأردن يرى في فك الارتباط وفي بناء الجدار تهديداً ديموغرافياً عليه، الأمر الذي سيحثها بالطبع على زيادة تدخله في المناطق الفلسطينية. التأييد الدولي للخطة مرتبط أولاً بمسألة عدم اعتبار الأسرة الدولية أن فك الارتباط يشكّل إغلاقاً للباب أمام مواصلة المفاوضات مع الفلسطينيين، أو مناورة لنقل مستوطنين من القطاع الى الضفة. فضلاً عن ذلك، تشير الاستخبارات الى أن النزاع مع الفلسطينيين سيستمر حتى بعد مغادرة قطاع غزة وأن فك الارتباط هذا ليس تاماً لأن جزءاً من المسؤولية الاقتصادية عما يحصل لدى الفلسطينيين ستتحمله إسرائيل بعد الانسحاب أيضاً. من الواضح أن رئيس أمان كان يفضل لو أن خطة فك الارتباط كانت "أحادية الجانب منسقة مع الفلسطينيين" لا "أحادية الجانب" فقط. وهذا ما يحصل عملياً اليوم، بما في ذلك المساعدة من جانب أميركا والهيئات الدولية.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)