مر زمن غاب عني المثل الذي كان يتحفنا به أساتذة المدارس، في محاولة منهم لتكريس صداقة بين أجيال تقف أمام المستقبل ... ومع هذا الغياب انهارت من حولي الصورة الاجتماعية التي مازلنا نرسمها في كافة مراحل ثقافتنا .. "الأسرة" ... والجمالية التي حاولنا إضفاءها على حالة قديمة تهاجمها الحضارة كل يوم ...

لسنا من اخترع الأسرة .. لكننا مصرون على رسمها وفق أذواق "الأموات" وكأنها حلقة تكرر نفسها بعشوائية قميئة .. ومصرون على عدم اعتبارها خاضعة للتطور، وتزينها بقيم تبدأ بالدين وتنته بما تنقله الدراما عن جمالية العائلة والعائلات .. والحارة وقيمها ...

لكننا لم نعد قادرين على تحمل العبء الاجتماعي لأسرة كان همها اللقاء على جغرافية لا تزيد مساحتها عن باحة "الدار القديمة". ونساء همهن الأساسي الإنجاب والإطعام وتحميل التراث لأبنائهن، وذكور يتنقلون بين البيت والمسجد وربما المقهى ... لم نكن مسؤولين عن تكسير المساحات الاجتماعية للأسرة لأن الحياة المعاصرة فرضت نفسها بجمالها أو قبحها، لكن الأسرة بقيت وانتهى نطاقها الاجتماعي. بينما يصر "أولي العلم" على إعلامنا بأن جمالية الأسرة باقية، وأننا الوحيدون في العالم القادرون على "صلة الرحم" ...

ربما نسي أولي الأمر أن الأسر نتيجة ارتقاء الحياة تخلت عن الكثير من مهامها، وربما التعليم كان هو الأساس في هذا التخلي، وتركت لتشكيلات اجتماعية أخرى الاعتناء ببعض الصلات الاجتماعية .. طبعا نحن تخلينا عن تعليم أبناءنا، لكننا مصرون على النظام الأبوي الذي يحصر المعرفة بجهة خاصة!! و "أولي الأمر" يحاولون إقناع أنفسهم أن بعضا من القيم قادرة على إعادة السكون للعائلة والأسرة والحي .. وربما يتناسون أن الفصام الذي ينشرونه هو "قطيعة اجتماعية" بدأت ترسم نفسها عبر خيار "الخلاص الفردي" المنتشر في المجتمع.