كان من الممكن أن يكون صباح الحادي والعشرين من حزيران الماضي روتينياً كغيره لولا ورود ذلك الخبر العاجل "الفاجع" عن انفجار "آخر" هزّ بيروت. سارعت لزيارة موقع "سي إن إن" في محاولة لتبين أي تفاصيل محتملة عمن امتدت إليه اليد الآثمة هذه المرة لأقرأ بذهول:

" انفجارسيارة في بيروت قتل سياسياً معارضاً لسوريا جورج حاوي"!! تساءلت على الفور: لماذا حاوي؟ لماذا الآن؟ ولماذا يتهمون سوريا من جديد؟ وإذا ما سلّمنا بأن سوريا تكنّ العداء لحاوي فهل بلغ ذلك العداء الآن وأكثر من السابق حداً لا يمكن احتماله بحيث تتم تصفيته في ظروف متوترة هي بغنى عن التورط في مجرياتها؟ بعبارة أخرى: هل سوريا هي عدو حاوي الأوحد؟ لماذا يحاولون اغتيال سوريا من جديد؟ إن كل من يحاول اتهام سوريا بكل صغيرة وكبيرة في لبنان، سواء أكان سياسياً أو صحفياً في وسيلة إعلامية عبر عناوينها الرئيسة التي قد يعتمد عليها الكثيرين في قراءاتهم دون الولوج في محتوى الخبر، أو الاثنين معاً، إنما يحاول اغتيالها كشخصية..فما ينطبق على اغتيال الشخصية بالنسبة للفرد ينطبق على الدولة بصفتها فرد معنوي..

على أي حال، ولدى شعوري بالصدمة أثناء عرض صورة جثته المشوهة: وجهه المدمى وعينيه الزائغتين وفمه الذي فغر لحظة باغته مقعد سيارته المريح بعبوة نالت منه على حين غرّة، استحضرت كلمات جورج حاوي على شاشة "العربية" قبل حوالي شهرين من ذلك: "خرجهم..بيستاهلوا..هذه الطبقة السياسية أذلتنا". حسناً..قلت لنفسي..تلك العينينن الزائغتين لن تقويا على التحديق بجرأة و ثقة مرة أخرى لتهاجم السياسيين الفاسدين في لبنان، ذلك الفاه الفاغر كان صامتاً في تلك الصورة وسيبقى كذلك فصاعداً.. فقد أريد له أن يخرس لتجريده من أي رمق لتكرار أي حرف من تلك الانتقادات التي أضاف لها توصياته في مقابلته الأخيرة على تلفزيون "إيه إن بي" قبل يومين فقط من تغييبه!! ولئن كانت سوريا موضع اتهام في عيون وأذهان البعض مرة أخرى، فلماذا ينصب عليها الاتهام من جديد دون غيرها؟ إن قراءة ما وراء الأحداث والسطور أمر ليس بالصعب، إلا أن التعامي عنه وإطلاق الاتهامات لهو أسهل بكثير.

لنعد معاً إلى تلك المقابلة مع "إيه إن بي" فقد كانت الأخيرة وكانت بذلك بمثابة "فلتر" لكل قناعاته السياسية التي انتهى إليها..قبل أن ينتهي..

كما أنها توفر مرجعاً مهماً يمكن الإفادة منه في محاولة للإجابة عن السؤال الذي راودني لحظة اتهام سوريا بأنها وراء تغييب حاوي: هل سوريا هي عدو حاوي الأوحد؟

في تلك المقابلة صبّ حاوي جام انتقاداته على العماد ميشيل عون وحمّل عليه بكل أوتي "حينها" من طاقة، كما أعطى تصوراً كاملاً لكل ما يتوقعه من اللاعبين السياسيين الذين ستفرزهم الانتخابات والتي كانت نتائجها تتتابع أثناء إجرائه لتلك المقابلة. وبالتطرق لنواحي انتقاداته لعون، فإن حاوي في واقع الأمر قد حاول اغتيال عون كشخصية من خلال تلك المقابلة، بأعنف شكل..بدرجة ربما لم يقم بها في السابق..

لنستذكر معاً أبرز ما قاله حاوي بخصوص عون:

" الطبل والزمر للعماد عون في الانتخابات في حين أن الأكثرية النيابية غير ذلك تماما... العماد عون سيكون الآن أمام منعطف حاسم: إما أن يقرأ جيداً ولا يرمي المسئولية على الآخرين..على الرشوة، المال السياسي وعلى الطائفية..أنت لجأت للطائفية، للمال السياسي فاستخدموا ضدك، لجأت للتحالفات الانتهازية فجرت تحالفات شبيهة، أقر بالهزيمة..."

كما حمّل حاوي العماد عون مسئولية شرذمة الصف المسيحي: " لقد أريد للحالة المسيحية المتفائلة التي هي مظهر من مظاهر الوحدة أن تنفرط، لذلك رأينا الحالة السنية بجانب والمسيحية بجانب وهي تتشرذم..بعد فترة سيخرج جعجع من السجن وستشهد الحالة المسيحية حرب سياسية شعبية ضروس، أما الزعامات الأخرى فستتفرج. هدف هذا التسونامي هو تفتيت الحالة المسيحية."

وفي انتقاده لعون فقد استعمل حاوي مصطلحات تذكر بماضي عون وأقصد هنا حرب الإلغاء حين قال: " الصوت المسيحي الذي يحاول تمثيله عون ألغى القوات...صار جعجع أحد الحكام الفاسدين حتى الآن وهو في غياهب السجن، وأصبح كل من صولانج الجميل وجبران تويني لا يمثلان المسيحيين " وهو في ذلك يقول بشكل غير مباشر أن ما يمارسه عون الآن من شرذمة للحالة المسيحية هو ما قام به في الماضي قبل أن يصبح بطلاً بعيون كثير من اللبنانيين.

وحين قال: " أنا أتوجه إلى عقل العماد عون وأنصاره لترجيح..العقل " فقد أشار بذلك إلى أن عقل عون وأنصاره غير متوازن.

من ناحية أخرى، لا حاجة للتذكير بالرسائل التي يتبادلها السياسيين على اختلاف أنواعها وأشكالها وأوقاتها وأمكنتها، وأن مثل تلك الرسائل لا تنبع من فراغ، فهناك ما يدور خلف الكواليس، لقد قام حاوي بإجراء مفاوضات مع العماد عون حين كان الأخير في باريس، كان الرجلان يعرف كل منهما الآخر جيداً ليس بلقاءات وإنما مفاوضات أيضاً. فما الذي دفع حاوي ليقول ما قاله بخصوص عون؟ ماذا دار بينهما خلف الكواليس؟ وإذا كان الانتقاد في سياق رسالة، فما هو الجانب الآخر من الرسالة؟ انتقاد حاد لعون بهدف الضغط عليه قبل الوصول إلى مرحلة محتملة أخرى من المفاوضات بين الرجلين؟ هل كان حاوي في الأصل مستعد للتفاوض مع عون من جديد؟ لنتأمل ما قاله بخصوص ذلك في شقين من المقابلة..الأول في القسم الأول منها: " أقر بالهزيمة وتعال لنجلس على طاولة مفاوضات جدية للبحث في أوضاع ومصير البلد، هناك ملفات كبيرة جداً..جداً.." خلال المقابلة تأججت عواطف حاوي السلبية تجاه عون أكثر فأكثر : " لم أتمنى لعون أن يصبح نائباً..هو يصغر بالنيابة، وقد قلت له أننا لسنا بحاجة للنيابة... النيابة ليست طريقاً للرئاسة...أرفض أن يصبح رئيساً للجمهورية رجلاً ربح المعركة الانتخابية بأساليب غير سليمة... بالنسبة لعون، فليس لديه أكثرية، يكون معارضاً بوسائل ديمقراطية وعلى أساس برنامج جدي... قمت بإسقاط 6 من مرشحي عون للنيابة مقابل رافي ، ليس كانتقام منه لكن نتيجة تحالفه الغير مبدئي..."

وهكذا حين نتابع ما قاله حاوي بخصوص مفاوضات محتملة مع عون في شقها الثاني في القسم الأخير من المقابلة نجده يقول: " مستعد للتعاون لكن مع مراعاة مبدأ نعم ولكن..مع أن الأغلب أنه سيكون لا ولكن... " ويعني حاوي بذلك أنه قد يسانده بشروط أو الأغلب أنه لن يسانده لكن مستعد للتفاوض معه بحيث لا يعرقل طروحاته. كل رجل سياسة يحاول أن يكون في خطابه متعاوناً وأن لا يغلق الباب لذلك أمام إمكانية التفاهم، لذلك وجدنا حاوي في الشق الأول مرناً أكثر بخصوص مفاوضات محتملة مع عون، لكنه ولدى استرجاعه لأفكاره السلبية تجاه عون وجدنا أنه حسم أمره في النهاية بإغلاق الباب : " نحن بحاجة إلى الوحدة المسيحية والحوار وإلى التكاتف مع الآخر..من يلغي المسيحي الآخر لن يستطيع التفاهم مع الدرزي والسني..." وهو في هذا التعليق الأخير لم يغلق فقط الباب بينه وبين عون، بل دعا الأكثرية النيابية بشكل غير مباشر إلى إغلاق الباب بدورها..وهكذا جعل حاوي عون يبدو كالمنبوذ.

يجدر بنا العودة لكلمة "انتقام" التي ذكرها حاوي في سياق ما تقدم فقط للتذكير بأهمية خطورة تصور ما يمكن أن يكون قد دار خلف الكواليس..انتقام بسبب ماذا؟ لم يقم بإسقاط مرشحي عون كانتقام..لكن ما الذي دفع حاوي أصلاً لتناول العلاقة مع عون في سياق انتقامي؟

وهكذا فإذا كان اتهام سوريا باغتيال حاوي يعتبر بدهياً بنظر البعض، ألا يبدو بدهياً بدرجة أكبر انطلاقاً من العداء الذي وصل بين عون وحاوي إلى هذا المستوى أن يكون عون أحد المتهمين الرئيسيين؟

تذكروا معي ميشيل عون لدى عودته من باريس في المطار حين كان يشتم الصحافيين، ويمكنكم مشاهدته ومراقبة حدة شخصيته وانفعاله العفوي خلال كل مقابلة يجريها مع أي وسيلة إعلامية، حتى عندما قرأت مقابلته التي نشرت في أسبوع الاغتيال مع نيوزويك فقد أعقبت أغلب إجاباته عن أسئلتها إشارة (!!!) والتي تشير إلى مناخ المقابلة المتوتر والذي دفع محررها إلى عنونتها ب " يحشد قواته".. وفي هذا السياق تخيلوا عون يتابع مقابلة حاوي مع "إيه إن بي" والتي لم تكن فريدة في توجهها لكنها كانت مميزة في خطابها "الحاوي" على كل ما هو عنيف ومقيت بالنسبة لعون. هل كان وقوع مكروه خطير لجورج حاوي يا ترى كافياً ليطفأ غضب عون؟ هل من الممكن أن يكون هو من يقف وراءه؟ أم سوريا مرشحة أكثر للقيام بذلك؟ حسناً..هاكم احتمال آخر: هل من الممكن أن تلتقي مصالح عون وسوريا باغتيال حاوي ونكون بذلك أمام جريمة عونية-سورية نالت من حاوي؟ هل تتخيل عزيزي القاريء من سيرد على تساؤل كهذا قد يخطر في بالك؟ هاك جورج حاوي! لقد قال في تلك المقابلة: "عون سواء كان مكلفاً من قبل سوريا أو هو أراد ذلك، فقد استنفذ هذه الصفة " أي لا تلصقوا بعد الآن ما سيقوم به عون بسوريا. وبعد وقوع الاغتيال الذي يمكن أن يتهم به عون بشكل مباشر وبدهي تبعاً لما ذكره حاوي بحقه، وتبعاً للمدرسة المستحدثة في اتهام سوريا انطلاقاً من معطيات غير ملموسة، يمكن أن تنسحب هذه العبارة لتصبح كالتالي: لا تلصقوا اغتيالي إذا ما تم من قبل عون بسوريا! حسناً..وفي نفس السياق الاحتمالي لضلوع عون باغتيال حاوي، ألا يمكن أن يكون ذلك بشكل غير مباشر؟ بحيث أنه لم يأمر شخصياً بتنفيذ ذلك وإنما تم توريطه من قبل أنصاره للقيام بعمل كهذا؟ إن الذي يقف وراء عملية اغتيال ما، فهو يقوم بها بشكل مباشر أو غير مباشر..الأمر معقد أكثر من مجرد محاولة تفسيره في مقالة مطولة.. قد تكون مملة للبعض..لكن عون الذي لا نعرف حقيقة فيما إذا كان يمتلك جهازاً أمنياً خاص به - يستطيع الوصول إلى داخل سيارة سياسي لبناني رفيع يزرع فيها عبوة ناسفة ومن ثم يتم تفجيرها لاسلكياً- أم لا، أو له علاقات في الجيش أو الأجهزة الأمنية سهلت للمنفذين القيام بعمليتهم، لكن لا بد وفي سياق محاولة تتبع آثار من يمكن اتهامه "بدهياً" باغتيال حاوي أن نلاحظ أنه كان من الأسهل ربما بالنسبة لعون إذا ما أراد اغتيال حاوي فعلاً أن يقوم أحد أنصاره ولو بمبادرة فردية بتحريض أحد الأشخاص الذين لا ينتمون للتيار العوني على إغتيال حاوي بإطلاق النار مثلاً بدل كل ذلك الجهد المبذول في التحضير بدقة لتفجير عبر رموت كونترول في "عقر دار" الشخص المستهدف.. في جريمة من المتوقع أن تلصق أولاً وأخيراً بسوريا كما ألصقت الجريمة التي سبقتها بأسابيع ونالت من الصحفي سمير قصير.

مهلاً..ألا تبدو جريمة اغتيال حاوي "فوتوكوبي" عن تلك التي أودت بسمير؟ كيف قتل سمير؟ عبوة ناسفة في سيارته فجرت لاسلكياً، كان مغادراً منزله بعد تلقيه اتصالاً من إحدى زميلاته سألته فيه أن يستقبل صحافياً يابانياً ليشرح له الوضع اللبناني..حسناً، ذكرت أرملته السيدة جيزيل خوري التي كانت موجودة حينها في ولاية أتلانتا الاميركية بأن زوجها كان ملاحقا من الاجهزة الامنية قبل ثلاثة سنوات..فلماذا لم يحتاط لهذه الناحية؟ أو هل احتاط؟ الجواب أنه احتاط فعلاً..فقد استعار أحد موظفي جنبلاط ليعمل لديه كسائق ومرافق لكثرة ما تعرض قصير من تهديد غامض..ماذا عن يوم الانفجار؟ يومها اختفى السائق ولم يكن هناك!! كما تداولت الأنباء والصحف عن وجود امرأة برفقة قصير ساعة الحادث تضررت بشظايا ولم تقتل ثم نقلت إلى المستشفى على أثرها وحجبت عن الأعلام لسرية هذه الشخصية ..!

من يجهد في البحث عن معلومة ما عبر الانترنت قد يجدها..ولم يكن عسيراً علي خصوصاً في عصر ثورة "البلوغز" الجديدة أن أتوصل إلى "بلوغ" يمكن لأي من القراء الوصول إليه بسهولة، وحتى لو كان ما ورد في ذلك "البلوغ" عارياً عن الصحة لكن على الأقل يمكن الاستفادة منه في تبين الروايات التي تسود الأوساط اللبنانية على اختلافها والتي يتم "التطنيش" عن إدخالها بدائرة الاحتمالات لمصلحة أطراف قد تكون هي المستفيد الرئيس من عملية الاغتيال..وبالعودة إلى ذلك "البلوغ" فقد ذكر كاتبه فيه أنه قد تبين له من مصدر موثوق بأن المرأة الغامضة التي كانت برفقة قصير لحظة تصفيته إنما هي زوجة رئيس مجلس إدارة الجريدة جبران تويني!! وبافتراض صحة ذلك يكون تويني قد دبّر بمساعدة جنبلاط قتل زميله الذي كان على علاقة بزوجته معتبرا ً إياه خائن, في سياق تصفية حسابات قديمة مع سوريا لإلباسها طقما ً جديدا ً لا حول لها منه ولا قوة..هذه الحسابات التي قد تدخل فيها "خلايا اسرائيلية نائمة" وجدت ضالتها في البلبلة التي سادت أجهزة الأمن اللبنانية بعد اتهامها بالتقصير في منع اغتيال الرئيس الحريري، لتنال ممن اعترف صراحة بتوجيه أوامر بقتل اسرائيليين وخصوصاً في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة قبل اغتياله بحوالي شهرين؟

من جهة أخرى وبنفس السياق، ألم يتنبه أحد إلى ردة فعل الرئيس لحود على اغتيال قصير؟ حسبما ذكرت " الشرق الأوسط " فقد كشف لحود أنه سيقترح على رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي كان سيلتقيه ذلك اليوم بتوسيع التحقيق ليشمل عملية اغتيال قصير..بينما على العكس من ذلك، تدخلت أطراف من المعارضة ومن ضمنها جبران تويني لمنع وصول ملف سمير قصير إلى لجنة التحقيق الدولية ليُبت بأمره علماً أنه قد يساعدهم ربما بوضع يدهم على قتلة الرئيس الحريري..لكن لماذا؟ أما وليد جنبلاط فقد طالب بالسعي بكل الوسائل لإقالة رئيس الجمهورية اميل لحود، وحمل على العماد ميشال عون متهماً النظام الأمني اللبناني بعقد تسوية معه...ويوم تشييع قصير انبرى جنبلاط ليعرب عن خشيته (وفق معلومات وردته) من وقوع اغتيالات جديدة في لبنان تطال شخصيات بارزة في المعارضة، وقال لمحطة تلفزيون المستقبل: "قبل محاولة اغتيال مروان حمادة وردتني معلومات عربية عن شيء ما يحضر وكذلك قبل اغتيال رفيق الحريري. اليوم نفس الأصداء العربية وغير العربية تنبه لذلك ولضرورة أخذ الاحتياطات...بناء على اصداء عربية وغير عربية طلبت من سعد الحريري ورفاقي في المعارضة والبطريرك الماروني نصر الله صفير والسيد حسن نصر الله ـ أمين عام "حزب الله" الشيعي ـ الحذر...في اطار بعض الاحتياطات اتفقت مع الحريري على إلغاء الاحتفالات الانتخابية كي لا نعرض احدا للخطر ولأننا لا نريد ادخال البلاد في فوضى كمقدمة لإلغاء الانتخابات".. وبعدها بيومين ذهب جنبلاط إلى فرنسا بزيارة خاطفة ..! ألا تذكرنا تصريحات جنبلاط بتصريحات مسئولي المخابرات الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من إيلول؟

أولاً..هذا "الوليد" الذي ترده معلومات كهذه هل هو جهاز أمني بحد ذاته؟ وثانياً.. ألم ترده معلومات يجنب بموجبها ذلك الخطر "رفاقه اليساريين" من أمثال سمير قصير وجورج حاوي؟ أم أن توجهات قصير- الفلسطيني الأصل الذي يرتبط ببلاد الشام بأواصر قربى كما ذكر أحد البرامج الوثائقية في "العربية"- ككاتب مناهض لإسرائيل من دعاة الانتفاضة وحق العودة، وكمنتقد حاد للطبقة السياسية وللنظام الطائفي وأسلوب المحاصصة وضعته في خلاف مع جنبلاط؟ وبافتراض صحة ما تردد عن العلاقة بين قصير وزوجة تويني فهل تقاطعت مصلحة جنبلاط وتويني في إزاحة قصير؟ وماذا عن جورج حاوي الذي كان في مقدمة حركة مقاومة وطنية يسارية قاتلت مع الفدائيين الفلسطينيين ضد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت؟ والذي انتقد الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة برمتها دون تفضيل أحدهم على الآخر "خرجهم" ألم يكن "الوليد" ضمن هؤلاء؟؟

لقد التقى كل من قصير وحاوي على انتقاد سوريا نعم، لكن بالنسبة لقصير فقد كان من السهل اغتياله وطمس العملية برمتها أثناء وجود القوات السورية في لبنان في وقت لم تكن فيه سوريا تحت الضغوط الدولية كما هي الآن، وبالنسبة إلى جورج حاوي الذي انتقد التدخل السوري وروى منذ بعض الوقت قصص قديمة قد تسيء إلى سوريا بعد أن أكل الزمان على تاريخ هذه "الروايات" وشرب، إلا أنه من ناحية أخرى وبخاصة في مقابلته الأخيرة مع "إيه إن بي" قد جعل بالنسبة للحكومة الجديدة المرتقبة حل مشكلة العلاقة مع سوريا كأولوية لا يمكن أن تستمر بهذا الشكل السلبي، وشدد على أنه ينبغي حل مشكلة العلاقة اللبنانية السورية على أسس سليمة..كما حذر من الولايات المتحدة قائلاً: " نحن أمام سمكة قرش أميركية في المنطقة ترغب في وجود نقطة دم لتقترب من فريستها..إيران في خطر.. مساندة حزب الله، سوريا في خطر..."

فهل سوريا ستستفيد من اغتيال كل من قصير وحاوي في هذا الوقت بالتحديد؟ أم جنبلاط والأكثرية النيابية التي ينتمي إليها؟ لنعود من جديد إلى مقابلة جورج حاوي الأخيرة.. لقد عبّر عن استعداده للتفاوض مع عون ولو بنسبة الواحد في المائة، وهو حين يضع احتمالين بالنسبة لعون، إما بالانضمام للحكومة الجديدة المنبثقة عن الأكثرية أو ممارسة دور المعارض الايجابي لها وفق برنامج، فهو يضع نفسه أي حاوي مسبقاً في دور محتمل كمعارض أو بأضعف الإيمان كرقيب على هذه الحكومة، التي أراد لها أن تكون مرنة فاعلة تشرك كل الأطراف بما في ذلك العماد عون إذا أراد: " الذي سيربح هو صاحب المنطق الوطني التجميعي الأفضل..." وذلك ببرنامج جدي للإصلاح حدّده لها حتى قبل إعلان فوز الأكثرية التي ستشكلها: "حل مشكلة العلاقة مع سوريا كأولوية لا يمكن أن تستمر بهذا الشكل السلبي، حل مسألة سلاح المقاومة بالحوار بما يعزز موقع لبنان وليس كحالة فئوية، إلغاء الطائفية، بناء سلطة مؤسسات حقيقية لا كما يدَّعى... تبدأ هذه السلطة باستيعاب الطوائف، هي تكبر والطوائف تصغر...حل مسألة قانون الانتخابات... على أساس نسبي..دائرة واحدة، التفرغ لحل الأزمة الاقتصادية المالية الاجتماعية، هيكلة السلطة الأمنية، إصلاح القضاء، إصلاح الجامعة اللبنانية والتعليم... "

كما تمنى حاوي بأن يجري اختيار رئيس وزراء مناسب..وقال : " الأكثرية النيابية ممكن أن تأتي بسعد الحريري الذي كسب المعركة بكده وجهده، لكن لا بأس من أن يستمر ميقاتي ويكون الحريري وزيراً ويتدرب..."

كان حاوي في الحقيقة يحذّر الحكومة "الوليدة" من عدم الاضطلاع بواجباتها، وأنه سيكون بالمرصاد في التصدي بالنقد اللاذع لأي خلل..لا تنسوا ما قاله بنفس ذلك الحديث التلفزيوني الذي أصبح الآن من التاريخ: " نحن أمام امتحان، فالنظام الفاسد لا ينتج حكماً..."

تصوروا معي بعد كل ما ذكرت في السطور السابقة كم هي مريحة فكرة أن جورج حاوي لم يعد موجوداً بالنسبة لكل من عون وجنبلاط وتالياً الأكثرية التي ستؤلف الحكومة الجديدة..لا شك بأنهم يقولون الآن: " منيح خلصنا منه ومن وجع الراس" ومن المؤكد أن هذه الأطراف مطمئنة إلى أن تصفية حساب "خرجهم..بيستاهلوا..هذه الطبقة السياسية يللي بستاهل رقبتها أنه تندق با...لم تكن سوريا بحاجة إليها في لبنان لكي تورطها.. " قد تمت.. فقد دفع ثمنها غالياً ..دفع حياته .

وكما اغتيل سمير في رسالة لكل من يمكن أن يتبع خطاه، في "بروفة" تم معها اختبار نجاعة أسلوب تصفيته، بالامكانيات التي تم استخدامها، وردود الفعل الشعبية والدولية عليها، وكيفية تعاطي وسائل الاعلام معها، وأداء أجهزة الأمن وسرعة وصول الشرطة وحتى الاسعاف إلى مكان الواقعة، شكل اغتيال حاوي رسالة لمن سيخلفه، تمّ تنفيذها بنجاح بعد اختبارها من كافة النواحي في اغتيال قصير.. ومع مزيد من التدقيق في احتمال ضلوع جنبلاط باغتيال كل من قصير وحاوي، ألا يمكن أن تنساءل عن دور محتمل آخر له بمحاولة اغتيال مروان حمادة الذي ربما ينافسه يوماً ما؟ ورسالة إلى جبران تويني (حليفه المستجد) تنبهه إلى أقوى من يمسك بالأوراق (مروان حمادة هو صهر جبران تويني) والذي شكلت محاولة تصفيته "بروفة" أخرى لكن سابقة، مهدت لتنفيذ عملية اغتيال الرئيس الحريري بنجاح وبأكبر قدر من الفوضى، بغية تهيئة المناخ لممارسة الضغط الدولي بشكل فاعل على سوريا ولإيصال سعد الدين الحريري لرئاسة الحكومة بدل والده الراحل، حيث سيكون التعامل معه من قبل جنبلاط أسهل بلا شك بسبب قلة خبرته ولأنه سينساق بسهولة وراء العداء لسوريا لا التعاون معها بعد ترتيب المناخ بعناية لاتهامها بقتل والده، خصوصاً وأن الرئيس الراحل كان قبيل اغتياله مستعداً للانفتاح من جديد على سوريا.

ولكن ومع بروز الحاجة بعد خروج القوات السورية للتمهيد للتدخل الأميركي بفعالية أكبر فقد برزت الحاجة لعمليات اغتيال من نوع مختلف تكون دقيقة بحيث تنال من الشخص المستهدف وحده، في سياق استكمال معادلات "الوليد" المتوالدة، لتحجيم عون باحتمال اتهامه وبنفس الوقت ضمان استمرار الضغط على سوريا..وربما التحضير لاعتداء يطالها..هل تابع أحد ما السلسلة التلفزيونية الأميركية الشهيرة "الجناح الغربي"؟ التي تتحدث عن الأجواء العاطفية البطولية التي تجري في ظلها اتخاذ القرارات المصيرية في البيت الأبيض؟ هل نسيتم الحلقة الثالثة من تلك السلسلة؟ لقد تحدثت عن طائرة أميركية مدنية يتم إسقاطها في الأجواء الأردنية ومن ثم يتم اتهام سوريا بإسقاط تلك الطائرة..وببساطة وبعد أجواء من الدراما ، يتخذ الرئيس الأميركي "جيمس بارتليت" قراراً بقصف 3 مواقع سورية.. ما العبرة؟ ذريعة تتخذ شكل عمل خارج سوريا تتهم فيه سوريا ويتم بموجبه الاعتداء عليها؟ هل ما حصل في لبنان شبيه بما ورد في ذلك المسلسل أم أني مغرق في التخيلات؟

على أي حال، فإن الرغبة في ضمان الضغط على سوريا بزرع الفتنة في لبنان وإلصاقها بها، وجدت ضالتها المنشودة في حرب الاغتيالات هذه، حيث "تكحلت" عيون اللبنانيين بالاستئناس بفرق دولية للتحقيق ومحققي "إف بي أي" يصولون ويجولون، ليقوموا بجمع الأدلة تمهيداً لاخفائها، وهم متمرسون في ذلك..ألا تتذكروا كيف بحثت لجنة جيم غاريسون المستقلة عن دماغ الرئيس كنيدي لمعاينته لتكتشف أنه اختفى؟؟؟!! حين تمتلك الحقائق قد تعلنها أو تخفيها، لافرق! فرق التحقيق صار دورها المأمول آخذاً في التطور، وصلت إلى قائد الحرس الجمهوري لاستجوابه وتفتيش منزله ومتعلقاته..ما يدرينا إن كان هناك صراع داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية نفسها؟ وبالعودة إلى اقتحام مقر قائد الحرس الجمهوري، لا بد لنا أن نتساءل عما يخبيء الغد للبنانيين يا ترى؟ قد يتم طلب تفتيش بيت رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان..من يعلم؟ وبالنسبة للتقارير "العبقرية" التي تخرج بها فرق التحقيق تلك، فإن شرعيتها تنبع فقط من أن الجهات الرئيسة وراء تلك الاغتيالات بغض النظر عمن مهّد الأرض لها، هي نفسها من تنظم التحقيق وتستولي على الأدلة..

ضحكت مطولاً حين قرأت عن التقرير الأخير الذي يشير إلى شاحنة مفخخة انفجرت أثناء مرور موكب الحريري..فقد يكون هناك شاحنة مفخخة نعم..لكن ألا تذكركم الحفرة التي تشكلت بفعل الانفجار الدموي في ساحة "السان جورج" يوم قيل أن أجهزة التشويش الخاصة بموكب الحريري قد تعطلت.. بحفرة مماثلة؟

عودوا للوراء قليلاً..تذكروا معي الحفرة التي تشكلت لدى قصف الطائرات الأميركية لحي المنصور في محاولة اغتيال لصدام ونجليه قبل سقوط بغداد بيوم واحد..لو كانت هناك شاحنة مفخخة هناك لانفجرت أيضاً، أليس كذلك؟ لقد كان مشهد ساحة السان جورج الدموي يوم الرابع عشر من شباط شبيه بموقع استهدفته الطائرات..عودوا للمشهد صوتاً وصورة كما بثته قناة "نيو تي في"..ألا يحضركم صوت أحد اللبنانيين المتواجدين بمكان الانفجار وهو يصرخ قائلاً: " قصف طائرات!!؟؟؟"

نعود لما تردد من اتهامات مغرضة بالنسبة لسوريا بما يتعلق بالسياق الذي جرى فيه اغتيال حاوي، فلا يمكن لسوريا أن تستفيد من هذه الحرب التي يخوضها الآخرون فيما بينهم باسمها، وهي بغنى عن المشاركة فيها، ولو ان النجاح في ترسيخ اتهامها في الأذهان أمر بدهي، لا لشيء إلا لأن إطلاق الاتهامات أمر سهل، وحتى لو تم "ترتيب الأمر" بحيث يتم القبض على سوريين، فلن تكون سوريا الفاعلة..ومن جهة ثانية لكن بنفس السياق، هل تتذكرون التركي الذي حاول اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني في 13 أيار 1981؟ ما رأيكم لو اتهموا تركيا بأنها من وراء تلك المحاولة بدل إدراجها في سياق الحرب الباردة بين أجهزة المخابرات الشرقية والأميركية؟ أعجبني تعليق لأحد قراء الشرق الأوسط على نبأ اتهام سوريا باغتيال جورج حاوي :" أخشى يوماً أن تتعثر فيه بقرة في شيكاغو فيكون السبب سوريا."

لقد اغتيل حاوي..غيّب بعنف عن الساحة السياسية اللبنانية..بقاؤه لم يعد يحتمله البعض فأبعد قسراً وإلى الأبد..وعلى الرغم من أنه قتل غيلة، إلا أنه قتل كلاعب ومحارب في حرب..فالحرب في أي بقعة من العالم، تكون ملوثة بأدوات عدة أحدها الاغتيال، وقد تتخذ الحرب نفسها شكل الاغتيال، ولبنان يعيش الآن حالة من حرب الاغتيالات، لكن هل هي حتماً اليوم كما ردد الكثير من اللبنانيون في السابق " حروب الآخرين على أرضنا "؟ هذا البعض مما قد يقال، ولكل حديث بقية وربما بقايا!!