"ترغب واشنطن في أن يتغير نظام الحكم في سوريا، لكنها ليست مستعدة للقيام بمغامرة فاشلة" نظم مركز الحوار العربي في واشنطن ندوة حول واقع ومستقبل العلاقات السورية الأمريكية، وذلك في ظل تصاعد ملموس للتوتر في العلاقات بين البلدين. السفير السوري في واشنطن أكد على أن دمشق تجد لزاما عليها وحفاظا على مصالحها الوطنية أن تسعى لتحسين علاقاتها مع القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.

في ظل تصاعد التوتر في العلاقات السورية الأمريكية، وسلسلة الاتهامات التي يكيلها كبار المسئولين الأمريكيين لسوريا، نظم مركز الحوار العربي في واشنطن ندوة حول حاضر ومستقبل العلاقات السورية الأمريكية، تحدث فيها السفير السوري في واشنطن الدكتور عماد مصطفى، وحدد فيها ملامح وجهة النظر السورية تجاه علاقتها مع القوة العظمى الوحيدة، وفيما يلي سرداً لها:

بدأ السفير السوري بالقول إن تلك العلاقات تمر بمرحلة عاصفة وحرجة، وصل فيها مؤشر الدفء إلى أدنى المستويات، حيث أن التواصل بين البلدين أصبح مقتصرا على الاتصال عن طريق السفارات، وأصبحت سوريا مضطرة في تعاملها مع القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم بمنطق سد الذرائع، آخذة في الاعتبار تجارب دول عربية أخرى مدرجة على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول التي ترعى الإرهاب، التي قدمت كل المطلوب منها أمريكيا ولا زالت لا تتمتع بالرضا من إدارة الرئيس بوش، ولم يتم رفع أسم تلك الدولة من تلك القائمة. لابد من الحفاظ على شعرة معاوية وقال السفير عماد مصطفي إن الحال قد وصل بالعلاقات السورية الأمريكية إلى الحد الذي أصبحت فيه إدارة الرئيس بوش تصف سوريا بأنها لا تنتمي إلى دول العالم المعاصرة، وبأنها متخلفة تاريخيا، ولا تزال تعيش في أوهام القومية العربية. ومنذ بدأت المقاومة العراقية ضد الاحتلال، دأب المسئولون الأمريكيون على اتهام سوريا بأنها المسئولة عن الخراب والدمار وسفك الدماء اليومي في العراق، بالإضافة إلى الاتهام التقليدي لسوريا بأنها تلعب دورا سلبيا في عملية السلام في الشرق الأوسط، واتهام إضافي باحتفاظ سوريا بعناصر أمنية داخل لبنان، تقوم بالتخريب حتى بعد سحب كل قواتها من الأراضي اللبنانية. وأعرب السفير السوري عن اعتقاده بأنه لو تأكدت واشنطن من براءة سوريا من كل تلك التهم، فإنها سرعان ما ستدفع بقائمة جديدة من المطالب والاتهامات. لكنه قال إنه سواء أحبت سوريا ذلك أم لم تحب، فإنها تجد لزاما عليها وحفاظا على مصالحها الوطنية وأمنها القومي، أن تسعى لتحسين علاقاتها مع القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، ولو بطريقة الحفاظ على "شعرة معاوية" التي تحفظ القدر الأقل الذي لا ينقطع أبدا من العلاقة مع الولايات المتحدة، شبه تلك العلاقة بروايات الكاتب التشيكي كافكا التي تدور في حيز اللامعقول. سوريا متهمة ولو ثبت العكس وضرب السفير السوري عدة أمثلة على رفض الولايات المتحدة تصديق أدلة على براءتها من بعض الاتهامات الأمريكية، فقال إن مسئولا أمريكيا كبيرا التقى به في واشنطن، وأعرب عن استياء الولايات المتحدة مما وصفه بالدور السلبي الذي تقوم به دمشق في عملية السلام، خاصة محاولات سوريا لعرقلة جهود الرئيس الفلسطيني محمود عباس صوب تحقيق السلام للشعب الفلسطيني. وعندما قام الرئيس الفلسطيني بزيارته إلى واشنطن أطلعه السفير السوري على الاتهام الأمريكي لسوريا بعرقلة جهوده، فقال الرئيس الفلسطيني للسفير السوري "على العكس، فإن سوريا تقوم بدور إيجابي في تسهيل ودعم الحوار الفلسطيني- الفلسطيني إزاء عملية السلام"، وهو ما تأكد فيما بعد عمليا حينما زار الرئيس الفلسطيني دمشق، وسهلت له سوريا اللقاء بالمنظمات الفلسطينية المعارضة في العاصمة السورية، وساعدت في تذليل بعض الصعوبات.

وتعجب السفير السوري من الإصرار الأمريكي على إلصاق تلك التهمة بسوريا، إذ إنه عاد إلى نفس المسئول الأمريكي الذي نقل له الاتهام، وقال له إن الرئيس الفلسطيني نفى ذلك الاتهام، فكانت إجابة المسئول الأمريكي إن لديه مصادر فلسطينية وإسرائيلية تؤكد صحة الاتهام. العراق ساحة أخرى للخلاف وضرب السفير السوري مثالا آخر على الإصرار على إلصاق التهم بسوريا مهما قدمت من أدلة على البراءة بقصة عملية أخرى، فمع تصاعد وتيرة الاتهامات الأمريكية بمسئولية سوريا عن تواصل وتزايد العنف في العراق من خلال السماح للمقاتلين والمخربين والإرهابيين بالتسلل عبر الحدود من سوريا إلى العراق، رأت سوريا أنه من الحكمة في نطاق سياسة سد الذرائع، أن تنظم جولة لمعظم السفارات المعتمدة وجميع وسائل الإعلام العالمية التي لها ممثلون في دمشق، لزيارة منطقة الحدود السورية مع العراق، وهي حدود صحراوية يعترف الجميع بأن المعيشة فيها شاقة للغاية.

لم تكن سوريا تستطيع التحكم بشكل كامل في تلك الحدود في أسوأ أيام تدني العلاقات مع نظام صدام حسين، حينما كان يرسل شاحنات متفجرات عبر تلك المنطقة، لتفجيرها داخل أحياء دمشق وحلب، وكانت تنشر قرابة ستمائة جندي فقط على تلك الحدود الطويلة، ومع ذلك قامت سوريا بنشر حوالي عشرة آلاف جندي سوري، للسيطرة على الحدود مع العراق منذ انهيار نظام صدام وبدأ الاحتلال للعراق، وشاهد ممثلو السفارات ووسائل الإعلام العالمية ذلك بأنفسهم، كما شاهدوا الساتر الرملي الهائل الذي بنته سوريا عبر الحدود للحيلولة دون أي محاولات للتسلل، وأسوار الأسلاك الشائكة التي مدتها سوريا عبر الحدود، وجعلت منها ثلاثة أطواق في بعض النقاط الحرجة على الحدود. وشاهد الجميع بأعينهم كيف أن المشكلة الحقيقة ليست في الجانب السوري من الحدود، ولكن في الجانب العراقي، حيث لم ينتشر أي جندي عراقي أو أمريكي للسيطرة على ذلك الجانب من الحدود وكان من الملفت للنظر فيما رواه السفير السوري في مركز الحوار العربي في واشنطن، هو أن السفارة الوحيدة المعتمدة في دمشق، التي رفضت إرسال أي مندوب للاطلاع على واقع الحال في الجانب السوري من الحدود، كانت السفارة الأمريكية. ولم تنقل وسائل الإعلام الأمريكية تلك الحقائق للشعب الأمريكي.

وواصلت واشنطن تحميل سوريا المسئولية عما وصفه السفير السوري بفشل المشروع الأمريكي في العراق، وحاولت إقناع الشعب الأمريكي، بأن تعثر ذلك المشروع سببه سماح سوريا بتسلل الإرهابيين عبر حدودها مع العراق، وأكد السفير السوري أن أكبر دليل على ضعف تلك الحجة البالية، هو أن قائد القوات الأمريكية الجنرال جون أبو زيد، أقر أمام الكونجرس بأنه من بين عشرة آلاف وثمانمائة من المتمردين الذين تم اعتقالهم في العراق، تبين أن ثلاثمائة وخمسين منهم فقط غير عراقيين، أتوا من مصر والأردن واليمن وباكستان ومن دول أخرى.

السفير السوري لدى الولايات المتحدة المشكلة هي المخطط القديم وأشار السفير السوري إلى وثيقة clean break الشهيرة، التي وقع عليها غلاة دعاة مخطط اليمين المحافظ الجديد في أمريكا - من أمثال دوجلاس فايث، الذي تقلد في فترة بوش الأولى منصب وكيل وزارة الدفاع، وريتشارد بيرل، الذي قاد حملة الترويج لشن الحرب على العراق. وتدعو الوثيقة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط: أولا، إسقاط النظام العراقي، وتنصيب حكومة عراقية موالية للولايات المتحدة. ثانيا، إيقاف عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية المستندة إلى مبادلة الأرض بالسلام، وعدم الضغط على إسرائيل، وعدم الانسحاب من أي أراض احتلتها إسرائيل في حرب يونيو عام 1967. ثالثا، إضعاف سوريا وحسر دورها الإقليمي وضربها وخاصة في لبنان. وقال الدكتور عماد مصطفى إنه تعين على سوريا، وهي ترى تنفيذ ذلك المخطط، أن تلجأ لسياسة سد الذرائع، لتحول دون تقديم المبررات على طبق من فضة للتربص الأمريكي في ظل المحافظين الجدد، والذي لاح في الأفق في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ووفر فرصة سانحة للانقضاض على سوريا من خلال ما يحدث في لبنان، لذلك اقتضت الحكمة الإسراع بعملية الانسحاب السوري من لبنان، ومع ذلك "لا تزال الإدارة الأمريكية تروج إلى أن سوريا لا تزال تتدخل في لبنان" حتى بعد الانسحاب الكامل المتسارع للقوات السورية من لبنان. "عدم وجود رغبة أمريكية في ظل الإدارة الحالية" وردا على سؤال لسويس انفو عن آفاق العلاقة السورية الأمريكية، وإمكانيات تحسينها في المستقبل، قال الدكتور عماد مصطفي:" إن العرف السائد في العلاقات الدولية، يقضي بأنه من الممكن تحسين العلاقات بين دولتين عندما تطرح المشاكل القائمة بينهما على مائدة محادثات، ويبحث الطرفان عن حلول خلاقة لإزالة تلك المشاكل، أو التوصل إلى حلول بشأنها. ولكن الوضع الشاذ في العلاقات الأمريكية مع سوريا يتلخص في أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مشاكل مع سوريا، لتستخدمها كذرائع في الضغط على سوريا من أجل المضي قدما في مشروع أمريكي لتغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط".

وأعرب السفير السوري لسويس انفو عن اعتقاده بعدم وجود رغبة أمريكية في ظل الإدارة الحالية في تحسين العلاقات مع سوريا، وليس أمام سوريا في الوضع الراهن سوى الحفاظ على مصالحها الوطنية وأمنها القومي من خلال إتباع سياسة سد الذرائع مع الولايات المتحدة، انتظارا لتغيير في النهج الأمريكي. وأشار السفير السوري في ختام لقائه مع سويس انفو إلى أن الولايات المتحدة تأمل في أن يتغير نظام الحكم في سوريا، وأن يحل محله نظام موال لواشنطن، ولكنها ليست مستعدة للقيام بمغامرة فاشلة أخرى لتغيير ذلك النظام بالقوة كما فعلت مع النظام العراقي، ولذلك فالبديل الذي اختارته بالإضافة إلى سلسلة الضغوط الأمريكية على سوريا "تمويل ثمانية سوريين الذين ليسوا من أقطاب المعارضة السورية الشريفة، ولا توجد لهم جذور أو قواعد شعبية في سوريا"، بهدف الإدعاء بوجود جبهة معارضة سورية ضد النظام، تعمل في واشنطن من خلال اجتماعات مع ريتشارد بيرل أحد الموقعين على المخطط الشهير، ولكن سرعان ما دبت بينهم الخلافات.

مصادر
إذاعة سويسرا العالمية (سويسرا)