على عكس كل الاستراتيجية التي بناها النظام الامني والقائمة على تحذير اللبنانيين من مغبة الاصرار على كشف الحقيقة في اغتيال شهيد لبنان والعرب رفيق الحريري، فإن التوقيفات التي حصلت والتحقيقات التي اجريت والمؤشرات التي ظهرت بينت ان الاقتراب من كشف الجناة عامل ترسيخ للاستقرار اللبناني لا عامل اضطراب. الماضي القريب لا يحتاج ذاكرة قوية, فغداة الجريمة بدأت اصوات سورية ولبنانية تحذر من المجهول ومن الوصاية الاجنبية ومن انقسامات الشارع اللبناني وقواه السياسية، ومن اتفاقات منفردة مع اسرائيل، ومن استهداف المقاومة، ومن التوطين، ومن مشروع التقسيم، ومن «مؤامرة الفوضى المنظمة»,,, ترافق ذلك مع تفجيرات على الارض، واغتيالات لاعلاميين وسياسيين، وافتعال مشاكل حول المخيمات وتأسيس لحمام دم فيها من خلال محاولة اغتيال الوزير الياس المر بحيث كان بيان «السلفيين الفلسطينيين» جاهزا لتبني المسؤولية، وتوزيع الاسلحة على المناصرين وفي المنازل والاحياء، ومحاولة خلق فتن طائفية بتفجير مؤسسات اعلامية واقتصادية مسيحية وفتن مذهبية ببيانات لـ «القاعدة» تستهدف رموزا شيعية وبيانات مضادة تستهدف رموزا سنية، وتنظير اقطاب الرموز الامني بـ «انكشاف البلد امنيا» لان القادة الامنيين مضروبو المعنويات، وبـ «خواء البلد قضائيا» لان التحقيق الدولي غمز من فاعلية هذا القضاء وقدرته, ومحاولة نقل الخلاف بين لبنانيين ومسؤولين سوريين الى خلاف بين شعبين من خلال اقفال سورية للحدود امام الشاحنات واطلاق حملة رسمية ضخمت عدد الضحايا والمفقودين السوريين بعد جريمة الاغتيال (الامر الذي رد عليه تفصيليا المدير العام لقوى الامن الداخلي اللبناني لاحقا) وطرد موظفين لبنانيين يعملون في شركات اتصالات وتكنولوجيا في سورية اسوة بطرد لبنانيين لعمال سوريين. باختصار، كان «الشباب» يريدون «ميني رواندا» تطيح بآلية التحقيق الدولي استنادا الى تقارير وتقديرات ضباط لبنانيين وسوريين بان الوضع السياسي والشعبي هش الى درجة يتجاوب فيها مع هذا النوع من المؤامرات,,, ولم تكن تلك التقديرات الوحيدة السخيفة الحقيرة لاحفاد آينشتيان.

لحظة تقديم رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الاجرائي (الاجرائي فحسب) ماذا حصل؟ اعلنت سورية استعدادها الكامل للتعاون بعدما رفضت استقباله سابقا.

قاد المرؤوسون رؤساءهم اللبنانيين السابقين الى التوقيف بعد دهم منازلهم فجرا وطبقوا الاجراءات القانونية بحزم ليثبتوا انهم ابناء مؤسسة لا أزلام اشخاص.

اعيد الاعتبار الى القضاء اللبناني الذي استطاع حتى الآن مواكبة التحقيق الدولي بحرفية عالية.

انهارت بسرعة قياسية هالة الخوف والحصانة التي حكمت علاقات كثيرة بالنظام الامني وتتابعت الاعترافات وتكشفت خيوط التفجيرات. تغيرت المواقف واستقامت نسبيا من رجل الشارع العادي وصولا الى السياسيين ومرورا بالاعلام ومحلليه ومعلقيه.

بدأت ملامح استعادة الثقة بلبنان ومؤسساته واقتصاده وامنه وقضائه تطل بوجهها عربيا ودوليا وبدا ان عصرا جديدا من الممارسة السياسية والامنية سيتعمم في عموم المنطقة ان لم يكن بالردع الذاتي الاخلاقي فبالردع القانوني الدولي.

ايجابيات كثيرة ترافقت مع تطورات التحقيق الدولي لبنانيا وسوريا وعربيا,,, وحده الجالس بين الرخام وأصص الزرع يتعمد الابتسامة امام الكاميرا كأن شيئا لم يكن ليذكرنا دائما بأن السلبيات تتمدد ايضا حتى وان لم يمدد لها.

مصادر
الرأي العام (الكويت)