موقف سوريا تجاه الأخوان حاسما كليا ويبقى التعامل مع هذا التنظيم على أنه حالة خاصةانعقد مؤتمر البعث هذا العام فيما تواجه سوريا ضغوطا متزايدة عليها لا تقتصر فقط على الخارج ولاسيّما الولايات المتحدة.

فقد تكون المعضلة الكبيرة التي تحاصر النظام السوري بعد انسحابه من لبنان، هي ملفات الداخل القديمة-الجديدة، وسجل البعث في علاقاته مع مختلف أطياف الداخل.

وقد يشكّل ملف "الاخوان المسلمين" المنظمة المحظورة في سوريا بموجب القانون رقم 49 لعام 1980 -والذي يحكم بالاعدام على مجرد الانتماء لجماعة الأخوان المسلمين- ، أحد أثقل هذه الملفات لا سيّما وأن الصدام بين البعث والجماعة الذي وصل إلى ذروته في الثمانينات، انتهى بشكل دموي.

وقد شهدت الفترة الأخيرة ظهورا متجددا للجماعة التي تتخذ من بريطانيا وألمانيا منفى لها.

وبدت عودة هذه الجماعة الذي تأسست في سوريا عام 1949، إلى دائرة الضوء بمثابة تحدّ واضح لما يُعتبر أحد أكبر الخطوط الحمر التي يُحدّدها النظام السوري.

وبالرغم من إعلان الحكومة السورية عن اعتزامها مجابهة الضغوط عبر الحوار والشروع في عملية إصلاح داخلية، فهي أكدت أنها لن تساوم ابدا في مسألة الأخوان والتي يعتبرون حالة خاصة يحظر حتى التعامل والاتصال معها.

رؤية لسوريا المستقبل

وكان الاخوان المسلمين قد اصدوا بيانا سياسيا تحت عنوان "المشروع السياسي لسورية المستقبل"، يشرح رؤيتهم السياسية التي وحسب ما جاء في البيان: "ينسجم فيها الثبات على الحق والمبادىء، مع التطوّر وفقا لحاجات العصر ومتطلباته ومقتضياته".

ويقول البيان: "إن مشروعنا السياسي يؤكد على بناء الدولة الحديثة التي تعتبر المواطنة بمفهومها العام أساسا للعدل والمساواة، وتقوم على فصل السلطات ، وتبنى على أسس التعاقدية والتعددية والتداولية والمؤسساتية، وإنجاز ألية عملية للتداول السلمي للسلطة."

وفي هذا الإطار جاءت عملية اعتقال أعضاء منتدى الأتاسي في منتصف الشهر الماضي، لمجرّد تلاوة البيان، بمثابة رسالة واضحة إلى أن هذا الخط الأحمر لن يُسمح بخرقه.

وفي ظل انعقاد مؤتمر حزب البعث الذي كثرت التأويلات حول نتائجه وتوصياته التي توقع البعض أن تحمل تغييرا كبيرا، لم يراهن الاخوان على أي تغيير في وضعهم في سوريا أوأي انفتاح باتجاههم.

وبالفعل، جاءت توصيات المؤتمر لتسمح بانشاء أحزاب شرط ألا تقوم على ركائز طائفية أو عرقية، مستثنية بالتالي، وبشكل مباشر جماعة الأخوان المسلمين.

وهذا ما يؤكد عليه الكاتب والمحلّل السياسي السوري الدكتور أحمد الحاج علي، إذ يعتبر أن الموقف السوري حاسم تجاه الإخوان ولامجال للتساهل معهم حيث أنهم "ليسوا مؤهلين وليس لديهم استعداد للمصالحة وكلماتهم يُراد بها باطلا".

وقد يأتي هذا التعليق كرد على مطالبة الأخوان بإصلاح ديموقراطي في سوريا وبعقد مؤتمر يضم كافة الأطراف.

غير أن هذه الحقيقة لا تبدو بعيدة عن إدراك الاخوان لوضعهم هذا إذ يقول المراقب العام للاخوان المسلمين علي البيانوني إنه "لا يتوقع من حزب البعث أن يقبل الاخوان لأنه منذ أن استولى على الحكم في سوريا، اعتبر أن الاخوان هم الخطر الذي يهدّد حكمه. وبالتالي ممارسات هذا النظام هي التي أوصلت البلاد إلى أحداث 1980 -في إشارة إلى ما يُعرف بأحداث حماه عام 1982 حين قتلت الحكومة الألاف من الأخوان وقضت على التنظيم في الداخل.-

وقد كان لشقيق الرئيس السابق رفعت الأسد دور كبير في هذه العملية.

ويُطالب الإخوان بتغيير جذري في النظام بحيث يتحوّل مما يسمّوه "نظام ديكتاتوري شمولي إلى حكم ديموقراطي تعددي".

إلا أن البيانوني يشك في قدرة البعث على التحوّل، في ما يبدو وكأنه مطالبة بقلب النظام اكثر من مجرّد إصلاحه.

ويردّ الحاج على هذه الدعوة معتبراً أن طرح الاخوان لفكرة الديموقراطية ليس سوى "محاولة لتجميل صورتهم " في إطار خطوة تكتيكية إذ أنهم "لطالما كانوا في السابق يعتبرون أن من ليس معهم، فهو ضدهم.".

ولكن البيانوني ينفي هذا في معرض حديثه عن فكر الجماعة التي أسسها في أواخر العشرينات في مصر الشيخ حسن البنا.

ويقول البيانوني: "ليس لدينا فكر خاص فينا كحزب ولكننا نتبنى الفكر الاسلامي العام المعتدل لذلك أي فهم للاسلام المعتدل الذي مصدره القرآن والسنّة، فهو قوة لتيارنا."

ويضيف : "نحن نمثل تيار الصحوة الاسلامية في سوريا."

ويتواصل تنظيم الأخوان المسلمين مع الداخل بشكل أساسي عبر الانترنت ومن خلال الاتصالات والزيارات .

القانون رقم 49 يحكم بالاعدام على كل من ينتمي لجماعة الأخوان المسلمين وإذ يقر الحاج بأن نتيجة فشل الفكر القومي، اعتبر البعض ان الحل قد يكون في الفكر الديني، يرى أن لا مشكلة في سوريا في ممارسات المعتقدات الدينية مشددا على ضرورة التمييز بين التنظيمات الدينية وما يسمّيهم "بالتنظيمات المسيّسة التي تحاول المتاجرة بالاسلام والتي تبدو كتفصيل جاهز عند الحاجة."

ويتهم الدكتور علي الاخوان بتشكيل مجموعة تظهر سياسيا حسب المناخ والحاجة، و بظهورهم كحالة موازية للضغط على سوريا في أواخر السبيعنيات ونصف الثمانينات في مسألة كمب ديفيد، حين كانت سوريا تمثّل جبهة الرفض لعملية السلام.

إلا ان البيانوني لا يصف عودة ظهور الاخوان اليوم إلى الواجهة بأنه مجرّد استغلال للوضع الذي تمر فيه سوريا، "بقدر ما نعتقد ان رفع الغطاء الخارجي على النظام السوري هو أمر مريح."

ويضيف: "نحن لا نطلب من الغرب أو الخارج سوى رفع الحماية عن هذا النظام الذي لم يستمر سوى بالدعم الخارجي إذ أنه لا يستند إلى أية قاعدة شعبية."

علاقة الأخوان بالقوى الخارجية ويعتبر الحاج أن هناك نزعة براغماتيكية مشتركة بين الولايات المتحدة والاخوان المسلمين ولكنه يصف المعلومات التي سُرّبت حول عقد لقاءات بين ممثلين عن الحركات الإسلامية وأطراف امريكية بأنها مجرّد مسألة تكتيكية من اجل إيصال رسالة إلى الداخل السوري في إطار التهديد.

وأضاف: "إن الولايات المتحدة تعلم أن هذا التيار لن يزيد سوى من مشاكلها في المنطقة."

وفي معرض رده على الاتهامات التي توّجه إلى الأخوان بالتعامل مع الخارج، يؤكد البيانوني أن لا اتصالات مباشرة مع الولايات المتحدة "ولكننا منفتحين على الجميع. وقد عقدنا لقاءات وحوارات فكرية مع مراكز ابحاث و مسؤولين سابقين، ولكن ليس هناك حوارات رسميّة."

ويشك البيانوني بنوايا الولايات المتحدة الحقيقية تجاه سوريا قائلا: "لسنا متاكدين من ان الولايات المتحدة تحمل مشروعا ديموقراطيا لسوريا. "

ويضيف شارحا: "لم نسمع أي كلام احتجاج بشأن الوضع الداخلي أو الديموقراطية والافراج عن المعتقلين، وكل الضغوط تصب فقط في موضوع العراق ولبنان وحزب الله والفصائل الفلسطينية وعملية السلام."

ويستبعد البيانوني ان تقوم الولايات المتحدة بضرب سوريا "لأن النظام مستعد لتقديم كل التنازلات.

ويضيف البيانوني إلى ان لا علاقات مع ايران ولا مع الحكومة العراقية الجديدة.

ويعتبرالبيانوني أنً عودة الأخوان إلى الضوء من جديد في سوريا ومصر - بالاشارة إلى تزامن صدور بيان الأخوان السوريين مع تحركات في مصر مطالبة باصلاح النظام ورافضة لترشح مبارك لولاية جديدة- مجرّد صدفة.

ويقول البيانوني في هذا الإطار: "هناك صلات تشاور وتنسيق مع الأخوان في مصر. ولكن الأوضاع السورية مختلفة جدا عن الأوضاع المصرية. وأمور المعارضة المصرية خاصة بمصر."

من المؤكد أن الطلاق بين الأخوان والنظام في سوريا لا عودة عنه حتى في ظل تغيّر الظروف.

وفي الوقت الذي يتوجه فيه النظام السوري نحو أفق مجهولة ، يبدو أن البعض وجد أن الفرصة سانحة لابراز أوراقه، بينما اللعبة في ملعب آخر.

مصادر
بي بي سي(لندن)