أصبح جورج بوش رئيساً للجمهورية بقرار من المحكمة الفدرالية العليا: 5 ضد 4. لم يكن حصل على الأكثرية الشعبية المؤيدة للبرنامج الذي اقترحه. إلا أن بوش نفسه جدد ولايته عبر انتصار واضح إذ أنه وجد أكثرية شعبية تؤيد السياسة التي مارسها. في خلال الحملة الأخيرة تناول مؤيدو بوش وخصومه الفرصة التي ستسنح له بتعيين عضو أو أكثر في المحكمة الفدرالية ذاتها وذلك بسبب الوفاة أو شغور الموقع. وهذا ما حصل تباعاً في الأسابيع الأخيرة إذ استقالت ساندرا داي أوكونور وتوفي وليام ريهنكويست.

للمحكمة الفدرالية العليا أهمية استثنائية في الحياة العامة الأميركية. ولقد تعززت هذه الأهمية من الانزياح المتزايد لمركز الثقل السياسي منتقلاً من الخلافات البرنامجية شبه الجدية حول الاقتصاد إلى التباينات الثقافية الإيديولوجية الخاصة بالقضايا المجتمعية. ففي المجال الثاني تلعب الهيئة دوراً شديد التأثير في صياغة القوانين العامة الناظمة لحياة الأميركيين، وهي تعتبر لذلك، المقياس الأبرز للصراعات الإيديولوجية المعتملة في قلب المجتمع. منذ عقود قليلة والمحكمة في حالة توازن هش بحيث أن أكثرية محافظة ترجح وجهة ولكنها تنفرط سامحة لأكثرية أكثر ليبرالية بترجيح وجهة أخرى. في المحكمة نواة صلبة من الليبراليين ونواة من الوسطيين (بينهم أوكونور) ونواة من المحافظين (على رأسهم ريهنكويست). الأخير هو أطول القضاة عمراً في المحكمة وأشدهم تأثيراً خاصة منذ أن بات رئيسها باقتراح من رونالد ريغان قبل حوالى 20 سنة. ولقد ساهم في تحويل قناعاته الرجعية إلى قوانين تسهّل حياة الشركات الكبرى، وتدافع عن الامتيازات العرقية، وتعادي بعض الحقوق الفردية، وتحاول أن تعيد تدخل الدين في الدولة. لا يخفي أنه شديد التأثر بفرديريك فون هايك الذي نظر إلى أي تدخل للدولة في ما لا يعنيها (إعادة توزيع الثروة مثلاً، أو إنشاء شبكات أمان اجتماعي...) بصفتها الخطوة الأولى في <<الطريق إلى العبودية>> (عنوان كتاب شهير له).

وفاة الرئيس بعد استقالة أوكونور وسّعت هامش الاختيار أمام بوش الذي كان اختار جون روبرتس للحلول محل المستقيلة فأقدم على اقتراحه رئيساً للمحكمة.

وروبرتس الشاب نسبياً (50 عاماً) ميّال إلى رفض تشريع الإجهاض والاعتراض على بعض الحريات الخاصة. كما أنه ميّال إلى تقليص صلاحيات الكونغرس وتوسيع صلاحية الولايات في التشريع. والمعروف أنه سلبي حيال القوانين التي حاولت، عبر التمييز الإيجابي، دفع <<الحقوق المدنية>> إلى الأمام. أضف إلى ذلك أنه من مؤيدي تقليص الفصل بين الدولة والكنيسة.

ليس لروبرتس مواقف فاقعة تجعله على أقصى اليمين الإيديولوجي. ومع ذلك فلقد حاولت الإدارة حمايته بتأخير الكشف عن أحكام أو توصيات كان أطلقها أو كتبها من أجل تعقيد مهمة الكونغرس في استجوابه. ولكن مع اتضاح صورته أكثر فأكثر كان يتضح أنه يمثل كسراً ثابتاً للتوازن ضمن المحكمة عبر ترجيح النواة المحافظة الصلبة فيها.

كان يمكن الافتراض، قبل أشهر، أن بوش لن يجد صعوبة في تمرير من يريد، وأن الحزب الديموقراطي والليبراليين عموماً لن يستطيعوا العرقلة ولا التصدي لما يريده <<رئيس الحرب>>. إلا أن التعثر الأميركي في العراق شرع يقضم بشكل ثابت من شعبية الرئيس. وفي موازاة ذلك، كان التجرؤ عليه يزداد. وحتى الأقطاب في الحزب الديموقراطي، من المرشحين المحتملين للرئاسة المقبلة، وجدوا أن من مصلحتهم خوض مواجهة معه على هذه الأرض طالما أنهم يتخوّفون من بلورة سياسة بديلة حول العراق، ولا يدعون إلى تعبئة جدية ضد السياسات الاقتصادية للرئيس في مواضيع الضرائب والضمان الصحي والبيئة.

وكان أن حصل الإعصار. وكان أن اكتشف الأميركيون مذهولين نقاط الضعف في بنيان دولتهم ومؤسساتهم الفدرالية والمحلية. وكان أن حضر الموت الكثيف والبشع والقاسي على الشاشات مدللاً على وجود تمايزات طبقية عرقية لا تطاق. وكان أن أظهر بوش لا مبالاة مستهجنة حاول تداركها لاحقاً. لقد ترك الإعصار، معطوفاً على التذمر من الوضع في العراق، أثراً على مكانة بوش. بكلام آخر جاءت اللحظة التي ينتظرها لتشكيل المحكمة العليا وترك بصماته الإيديولوجية على مستقبل بلاده، جاءت هذه اللحظة في ظرف سياسي غير مناسب له تماماً.

... ومع ذلك فإن المؤشرات تدل على أن الرئيس ذاهب نحو المواجهة. وهو إذ يفضل هذا الخيار فليس فقط لأنه محصّن دون الوعي بحقائق ما يدور حوله بل، أيضاً، لأنه يتقصّد مخاطبة قاعدته المتصلبة وغير المستعدة للتخلي عنه. إنه يفضل بقاء هذا الحساب في رصيده عوض <<المغامرة>> بانفتاح قد لا يفيده شيئاً.

إذا حصل وكسر بوش التوازن نهائياً في المحكمة الفدرالية فهذا يعني أنه أغلق دائرة السياسة المحافظة والرجعية التي يتبناها والتي تتمثل في نهج اقتصادي شديد اليمينية وفي نهج مجتمعي شديد الظلامية بالمعايير الغربية وحتى بالمعايير الأميركية.

سيعمّق هذا الاختيار الهوة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. فالمقابل الأوروبي لهذه التوجهات نجده جزئياً في بعض أحزاب اليسار واليمين، ولكننا نجده في صورته الأشد اكتمالاً في أقصى يمين المشهد السياسي. سيحرج بوش <<يسارياً>> مزعوماً مثل طوني بلير ويمينية مثل أنجيلا ماركيل. إن الهوة ستتعمّق بين شطري العالم الغربي وسيصبح مطلوباً المزيد من الجهد السياسي لإنقاذ العلاقات الاستراتيجية وتدعيمها.

مصادر
السفير (لبنان)