بددت الولايات المتحدة الانطباعات التي تكونت لدى اوساط عدة ان اهتمامها بلبنان تراجع نتيجة امرين على الاقل: الاول هو اعطاء الحكومة اللبنانية الجديدة فرصة لبدء عملها ووضع الخطط للمرحلة المقبلة بما فيها طريقة تعاملها مع القرارين 1559 و1614. والامر الآخر هو الحال الشديدة الصعوبة التي تواجهها القوات الأميركية في العراق وسط احتجاجات وانتقادات اميركية داخلية متصاعدة لبقاء هذه القوات هناك في وقت يرى كثير من الاميركيين ان الحاجة اليها في بلادها هي اكثر الحاحا لمواجهة آثار اعصار "كاترينا".

ومع ان المتصلين بالخارجية الاميركية يلاحظون ان المسؤولين فيها هم في "موقع دفاعي" في موضوع العراق، فان هؤلاء يبرزون اهتماماً متواصلا للادارة الاميركية بملفين تعتقد انهما يحرزان نجاحاً اذا صح التعبير. وهي تنوي الاستمرار في توظيفهما ما امكن.

احد هذين الملفين يتعلق بالانسحاب الاسرائيلي من غزة الذي بدأ في 15 آب الماضي. وهي خطوة تأخذ ادارة بوش في الاعتبار أبعادها في موازاة الاثر الذي تركته على رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون والوضع الداخلي في اسرائيل. يقول مسؤولون اميركيون كبار ان ادارة الرئيس بوش طرحت الكثير من الوقت لاقناع شارون بوضع الانسحاب من غزة في اطار استراتيجي اوسع، وانها تعتقد ان المرحلة تحتاج الى وقت حتى تأخذ الخطوة مفاعيلها على انها "خطوة شجاعة تستحق التقدير" ومن اجل ادارة تنسيق فلسطيني – اسرائيلي يبدو بالنسبة الى ادارة بوش على الطريق الصحيح حتى الآن.

وينسب ديبلوماسيون الى مسؤولين كبار في البيت الابيض ان كلا من شارون ورئيس السلطة الفلسطينة محمود عباس "يستحق مكافأة" لما انجزه على هذا الصعيد. وان وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس تملك افكاراً يمكن الطرفين ترجمتها خطوات متواضعة. اما في ما يتعلق بالنشاط الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية وفي محيط القدس، فلا يبدي هؤلاء المسؤولون قلقا له لاعتقادهم ان المستوطنات الكبيرة في الضفة ستكون على الارجح "جزءاً من اسرائيل" وان شارون يحتاج الى بعض المكافآت العلنية لانسحابه من غزة.

وعلى غير ما ساد الاعتقاد عن اجتماع ثلاثي محتمل بين بوش وشارون وعباس على هامش القمة العالمية التي ستعقد الاسبوع المقبل في نيويورك، وقبل ان يلغي عباس زيارته لمقر الامم المتحدة اثر اغتيال مستشاره موسى عرفات، فأن الاميركيين لم يحضروا لمثل هذا الاجتماع. ذلك لانه لن يساعد شارون في وضعه الداخلي وان مستشاريه ابلغوا الى الاميركيين ان اسرائيل "وصلت الى الحد الاقصى من التنازلات" في هذه المرحلة، حتى في ما يتعلق باجتماع مع عباس في نيويورك برعاية بوش.

وفي الاطار نفسه، فان المسؤولين الاميركيين يعتقدون انه لن تكون هناك مشكلة بالنسبة الى الفلسطينيين الذين يغادرون غزة بل انها في عودتهم، متوقعين ان تنهي اسرائيل مراقبة حركة المواطنين والبضائع من غزة واليها ولو ان هناك مراقبة الكترونية على معبر رفح للفلسطينيين الداخلين الى القطاع والخارجين منه.

اما الملف الآخر فيتعلق بلبنان الذي تكتسب متابعة وضعه اهمية مردها الى ان احياء الديموقراطية في لبنان تشكل ركيزة مهمة لادارة بوش من اجل تبرير الزخم الاميركي نفسه بالنسبة الى العراق. فضلا عن ان لبنان يشكل "بوابة مهمة" لواشنطن على ما اتضح من اجل الضغط على سوريا غير المتعاونة من الآن مع البيت الابيض في عدد كبير في الملفات التي تشكل مسائل شائكة بين سوريا والولايات المتحدة، والتي لا يعتقد انها سترى افقا ايجابيا بينهما في المستقبل القريب لا بل طوال ولاية بوش. علما ان التطورات الدراماتيكية المتسارعة انطلاقا من لبنان قد تقود الى خلاصات تجد واشنطن فرصتها فيها للدفع والضغط اكثر عبر البوابة اللبنانية في ظروف دولية لا تزال مؤاتية لما ارسته الولايات المتحدة قبل عام مع فرنسا في مجلس الامن على صعيد لبنان وسوريا.

وتقول مصادر ديبلوماسية ان الانسحاب الاسرائيلي من غزة اضعف موقع "حزب الله" في جنوب لبنان اضافة الى التطورات الاخيرة التي هبت في الاطار نفسه ومنها التأزم ليس فقط مع سوريا، بل ايضا مع ايران التي تسعى الى ضبط مفاوضاتها مع اوروبا في ملفها النووي على وقع السياسة المتشددة للرئاسة الايرانية الجديدة.

والترابط بين هذه المسائل يدفع بالامور نحو استمرارية تحصل في مسار محدد من دون تغيير متوقع اقله في المدى المنظور.

مصادر
النهار (لبنان)