بدا الرئيس اللبناني اميل لحود راكباً رأسه وهو يتوجه اليوم الى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة والقمة الأممية فيها ، في حين كان رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، القاضي الألماني ديتليف ميليس يتوجه الى دمشق في خطوة تتداخل فيها العوامل السياسية والقضائية والامنية وتنفتح على مزيد من المفاجآت الكبيرة. وكان الرئيس اللبناني ضرب بعرض الحائط كل النصائح التي تلقاها في لبنان بعدم مغادرة قصره في بعبدا إلى نيويورك ، وتجاهل كذلك الاشارات السلبية التي وردت إليه من واشنطن ، وأبرزها ما صدر عن الادارة الاميركية وكان كافياً لاعتباره ضيفاً غير مرغوب فيه ، كإلغاء دعوة إلى استقبال يقيمه الرئيس الأميركي جورج بوش ، بعدما كانت هذه الدعوة قد وجهت إليه كبقية رؤساء الدول وقادتها.

وفي مقابل تدابير العزل و المقاطعة التي اتخذتها واشنطن ضد لحود أوعزت الخارجية الاميركية بتسهيل زيارة زعيم " تيار المستقبل" النائب سعد الحريري و ضمنت له برنامجاً حافلاً باللقاءات ، فضلاً عن دعوتها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى اجتماع دولي مخصص لتقديم دعم اقتصادي للبنان .

وكأن كل ذلك لم يكف ، ففي لبنان نصح البطريرك الماروني نصرالله صفير لحود بعدم الذهاب الى نيويورك . وصرح وزير العدل شارل رزق القريب من رئيس الجمهورية أنه غير مقتنع بالزيارة إلى نيويورك لكنه سيرافقه فيها لأنه "صديقه". في حين كان زعيم "التيار الوطني الحر" النائب ميشال عون، الذي دأب مدة على الدفاع عن لحود ، يدعوه صراحة الى البقاء في لبنان لأن الاوضاع غير مستقرة . وبالتزامن مع هذا التطور فتحت شخصيات نيابية مارونية النار على لحود معلنة مداورة انتهاء عهده سياسيا وعمليا وافتتاح معركة الرئاسة .

لكن الرئيس لم يظهر في مواجهة كل هذه الضغوط إلا العناد ، و بعض المحيطين به يقولون أنه يثبت بذلك ثباته ، لكن الآخرين جميعاً يرون أنه يرتكب خطأ إضافياً في القراءة السياسية و في تقدير الظروف والعواقب.

ولم تقنعهم كل التبريرات التي قدمها عبر فريقه الإعلامي، كالقول انه أراد تمييز موقفه عن موقف سورية ورئيس بشار الأسد ، وإن بقاءه في لبنان يقوي الحملة ضده وحجة من يهاجمونه بعنف . والأرجح أن لحود سيعود الى بيروت ليجد واقعا جدياً في انتظاره بعد أن يكون قد شعر بعزلة دولية وعربية خانقة في نيويورك. إذ سيكون التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري قد وصل الى مراحله النهائية ، وسيكون استمراره في منصبه صعبا ومكلفا في ظل وضع مشحون بالتوترات والضغوط السياسية الهائلة عليه . ولن تستطيع أي جهة لبنانية تغطيته وتوفير الحماية السياسية له في حال ثبتت ادانة المشتبه بهم من الضباط الكبار الاقرب اليه.

ولا يخفى على أي متابع لتطورات القضية أن الوسط السياسي اللبناني بات في اجواء انتهاء عهد لحود خلال أسابيع وليس خلال أشهر ، وأن إعلان النهاية يرتبط بالتوافق على برنامج المرحلة المقبلة واسم الرئيس البديل وترتيبات الانتقال من عهد إلى عهد. لكن ما تتعرض له الرئاسة اللبنانية ربما يكون أرحم مما يواجهه النظام السوري الذي يتلقى ضغوطا هائلة ايضا حملت الرئيس بشار الأسد على الغاء زيارته الى نيويورك والاستعداد للأسوأ. وتعكس الدوائر الدبلوماسية الغربية في بيروت أجواء غير مريحة عن سوريا تفيد بأنها في زاوية الخيارات الصعبة وانها وقعت في "المصيدة الدولية" ولن يكون من السهل عليها الخروج منها بدون أضرار وخسائر وتنازلات.

وترى هذه الاوساط أن الولايات المتحدة تمكنت اخيرا من "الدخول" الى النظام السوري من البوابة اللبنانية وتحديدا من بوابة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري، ولن تسمح لنظام الأسد بالافلات من الفخ الذي نصب لها وسقطت فيه.

في هذا السياق استبقت الولايات المتحدة زيارة ميليس الى دمشق بالحديث عن تورط سوري على أعلى المستويات في اغتيال الحريري، وعن استمرار دمشق في القراءة السياسية الخاطئة للأحداث والمتغيرات مع استمرارها في عدم التعاون في العراق، مما يحمل الولايات المتحدة على نقل المعارك الى قرب الحدود السورية العراقية التي أقفلت، وكذلك تحدثت عن استمرار سورية في استضافة المنظمات الفلسطينية التي التقى بشارالاسد قادتها علنا أمس ، وأرسل عبرها رسالة سياسية مفادها أنه لن يستسلم ولن يتراجع خطوة لأنه اذا فعل ستطلب منه أميركا التراجع خطوات.

قبل اشهر كان الاميركيون يتحدثون عن تغيير في السلوك السوري. ومنذ ايام بدأ الحديث عن تغيير في "النظام السوري"، وهذا الاتجاه يضعف او يقوى تبعا لنتائج التحقيق الدولي .

و في هذا الوقت تصدر نصائح عربية للرئيس السوري بالتعاون مع ميليس وتسهيل مهمته. ولكن يبقى ان هناك تريثا وحذرا دوليا وعربيا في تقرير مصير النظام السوري لأن البديل ليس متوافرا وجاهزا ، ومن الممكن ان يكون نظاما اسلاميا متطرفاً أسوأ من النظام القائم بالنسبة إلى أميركا وحلفائها.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)