المشروع السياسي للديغولية الجديدة التي يقودها جاك شيراك كان يحضر الديبلوماسي الشاب لهذا الدور للدورة ما بعد القادمة فعلا، فقد كان الان جوبيه جاهزا لخلافة جاك شيراك، وكان دو فيللوبان الابن الروحي لجوبيه . بحيث كان موقعه في وزارة الخارجية ،مقدمة لموقعه في رئاسة الوزراء. خاصة بعدما جعل الوزير المفوه من منبر الامم المتحدة منطلق مسيرته الناجحة بامتياز نحو ماتينيون.

فلكل شعب خصوصياته السيكولوجية ، التي اذا عرف السياسي كيف يخاطبها ، وصل الى ناسها ، والفرنسيون شعب ماخوذ بعظمة بلاده في الخارج ، ربما حنين مدفون الى الدور الامبراطوري ، وربما ايمان راسخ وحقيقي بما يسمونه هم " الاستثناء الفرنسي " على صعيد الثقافة والسياسة والقيم الانسانية التي يعتبر كل فرنسي ان ثورته هي التي رسختها اساسا للعلاقات الدولية بدءا من حقوق الانسان الى حقوق المواطن الى قيم العدالة والحرية والمساواة ، التي تترجم دوليا بدور الامم المتحدة . واذا كان الفرنسيون يرون في لغتهم وبلاغتها عنصرا اساسيا من خصوصيات هذا الاستثناء فان اللغة العالية لشاعر مفكر متميز قد جعلت الكاتب ذي التعبير الاستثنائي وزيرا موضع فخر كبير لناسه ، يعيد اليهم صورة اندريه مالرو ممزوجة بصورة جاك شابان دالماس .

لكن الخطة الشيراكية لترتيب الوراثة في تجمع اليمين اصيبت بضربة قاصمة مع ادانة الان جوبيه والحكم عليه بالامتناع عن الترشيح لمدة خمس سنوات . واصبح على دوفيللوبان ان ان يقفز دورتين في دورة واحدة .

هنا ارتسم السؤال الكبير : هل يمكن في السياسة ، وفي دولة ديمقراطية ان " تقفز صفا مدرسيا " ان تحرق المراحل؟ سؤال بدا اكثر صعوبة وقد بدا وكأن كل قصة ابعاد جوبيه قد رتبت لافساح الطريق امام وزير اخر صاعد هو نيقولا ساركوزي : شخصية نقيضة تماما لدوفيللوبان : ابن مهاجر مجري ، يهودي ، وان ادعى انه اعتنق المسيحية ، زوجته يهودية وبالتالي اولاده ، متامرك حد الحماس ، مدعوم بالتالي من الاميركيين ومن جميع دعاة الامركة في فرنسا واوروبا ، وكذلك من اللوبي اليهودي في فرنسا وخارجها ، حيث بدا معركته ، بعد ايام منالحكم على جوبيه ، بزيارة الايباك في الولايات المتحدة ، ومن ثم استقبل في البيت الابيض كرئيس ( وفق تعليق الصحافة الاميركية ) بعدها ذهب الى مؤتمر هرتزليا حيث القى خطابا ذكر فيه بخدماته لليهود وهو وزير للداخلية ) ليعود بعدها مرة اخرى الى اميركا ويصرح بان كل فرنسي يحلم بنمط الحياة الاميركية .

لا انحياز هنا للخصوصية الفرنسية ، لا تمسك بالاستقلالية الفرنسية الاوروبية عن الولايات المتحدة ، لا صداقة خاصة مع العرب ( ودو فيللوبان من مواليد المغرب ) ، لا حرص على ما يسمى " الثنائي الالماني الفرنسي " بل اعلان واضح بانه سيتحالف في حال الفوز مع ايطاليا لا مع المانيا . واخيرا لا حرص مبالغ على اللغة الفرنسية الكلاسيكية والنخبوية . هنا ربما لعب الامر لصالحه اذ ان نخبوية لغة الشاعر المثقف جعلت دوفيللوبان عاجز عن الوصول الى الشرائح الشعبية العريضة وهي التي تحسم صناديق الاقتراع . بل ان بعده اللغوي عنها جعله يبدو وكانه بعيد عن قضاياها .... اضافة الى ان موقع السفير ووزير الخارجية هو فعل موقع بعيد عن الناس بالمقارنة مع موقعي وزير الداخلية والمالية اللذين شغلهما ساركوزي .

الان تقدم الرجلان : الاول الى رئاسة الحزب والثاني الى رئاسة الوزراء ، بعد ان تعمد شيراك تمريره في وزارة الداخلية ليقترب من الناس اكثر .، فمن الذي سيتقدم نحو الاليزيه ؟ خاصة وان مرض الرئيس شيراك ، بعد الضربة الكبرى التي تلقاها في التصويت على الدستور الاوروبي ، جعلا امكانية اعادة ترشحه هو بعيدة .

ميشال دوبريه رئيس الجمعية الوطنية كان المبادر الى اعلان موقفه في الحسم بين الرجلين، ومن على امواج اذاعة فرنسا الدولية اول امس: ساركوزي رجل تفريق ولا يمكن وصفه برجل دولة. اما دوفيللوبان فرجل دولة وقادر على جمع الكل من حوله. اذا ما قرر بامكانه ان يكون مرشحا للرئاسة.

لكنه لم يخف قلقا يتجاوز الرجلين معا الى تذكر الجبهة الاخرى، اليسار الفرنسي الذي قد يستفيد من هذا التنافس داخل صفوف اليمين عندما اضاف: " لكنهما، بخصومتهما يعطيان الانطباع بانهما لا يهتمان للفرنسيين" في اخر نشاط شعبي له زار دو فيللوبان معهدا هو الاكبر في فرنسا ، وعندما اعطته طالبة قلبا ازرق قال: "انه قلب فرنسا هذا ونحن ننبض لاجله" ترى لمن سينبض قلب فرنسا؟

مصادر
الدستور (الأردن)