اين ستقف فرنسا من اللعبة ؟ قبل اشهر فقط وبالتحديد قبل التصويت السلبي على الدستور الاوروبي ، كان المحللون السياسيون يتحدثون عن محور باريس برلين موسكو ، وكان المقصود تحالف بدا بما سمي الثنائي الالماني الفرنسي منذ ان خطا هلموت كول خطواته الجبارة باتجاه التوحيد : توحيد المانيا اولا ومن ثم توحيد اوروبا ثانيا .

خطوات استجابت لها فرنسا الميترانية الاشتراكية بتحفظ واندفعت في خطها فرنسا الشيراكية الديغولية الجديدة بدون تحفظ . كان الحلم الذي انضمت اليه روسيا هو تشكيل قوة جديدة تستطيع ان تكون معادلا للقوة الاميركية ، او على الاقل تعد بمعادل مستقبلي لها يعيد الى العالم توازنه الذي فقد مع القطب الواحد . لكن جاك شيراك تعرض لضربات كبيرة متتالية ، لا يستطيع معها هرم الصمود دون تاثر : اول هذه الضربات كانت ادانة الان جوبيه ، وصدور الحكم بمنع الرجل من الترشح لمنصب سياسي ، هو الذي كان الشيراكيون قد حضروه بشكل تام لخلافة جاك شيراك على راس اليمين المعتدل .

تنحية الان جوبيه التي لم تكن في واقع الامر الا ادانة لشيراك نفسه ، خلطت كل الاوراق وبلبلت اللعبة السياسية كلها ، اذ الصف الذي يلي جوبيه في تجمع احزاب اليمين لم يكن يتشكل الا من ثلاثة : رئيس الوزراء جان بيير رافاران ، وزير الخراجية دومينيك دوة فيللوبان ، ووزير الداخلية نيقولا ساركوزي .

الاول لم يكن يتمتع بالشعبية اللازمة ، والثاني لم يكن بعد مهيا ، اذ ان شيراك وجوبيه كانا يهيأنه لخلافة الثاني بعد دورة او دورتين . وفي احسن الحالات لرئاسة الوزراء في العهد الذي يلي عهد شيراك . اما الثالث والذي كان يتمتع بدفع القوة البخارية للوبي اليهودي ، ليس في فرنسا فحسب وانما في الولايات المتحدة واسرائيل ، كما يتمتع بدعم كل دعاة الامركة ، فانه لا يمثل بالتالي الا الخط النقيض لخط شيراك الداعي الى الاستقلالية الاوروبية عن الولايات المتحدة.

من هنا جاء صعود ساركوزي القسري الى زعامة تجمع احزاب اليمين ليشكل ضربة ثانية كبيرة للرئيس ، الذي حاول التدارك بتعيين دوفيللوبان وزيرا للداخلية ليقربه من الناس . غير ان الضربة القاضية جاءت مع التصويت السلبي على الدستور الاوروبي ، الذي دافع عنه شيراك بكل ما اوتي . وهنا ايضا حاول انقاذ الوضع بدفع دوفيللوبان الى رئاسة الوزراء . الرجل يدهش الجميع كما تعلق الصحف الفرنسية ، لكن المهلة قصيرة جدا وقد لا تكفي للحؤول دون انحراف فرنسا الى خط الامركة الكلي . سواء مع ساركوزي رئيسا ام مع رئيس اشتراكي لن يكون الا يهوديا بحسب الاسماء المطروحة . هذه الازمة لم يكن من شانهاالاان تهدد الحليف الاول اي غيرهارد شرودر ، في المانيا وبدا الحديث الجديد عن حلف برلين لندن ، لما بعد الانتخابات التي ستحصل بعد ايام .

اول من قرا هذا الدرس على ما يبدو كان بوتين ، فاسرعت موسكو الى الجانب الاسيوي ، ودعمت تحالفها مع مجمعة تشنغهاي مضيفة اليها ايران ، ثم عادت فالتفتت الى الغرب لتهرع الى نجدة شرودر عبر مشروع مد خط غاز سيبيريا المانيا الذي كتبنا عنه بالامس ، لكن ما لفت النظر في اعلان هذا المشروع الذي يتجه الان الى المانيا ، انه توقع ايضا امتداده مستقبلا الى دول اوروبية اخرى ، اهمها بريطانيا . ولم ترد بينها فرنسا .

فهل اعتبر بوتين ان فرنسا اصبحت خارج رهانه على الوقوف في وجه اميركا ؟ ام انه وعلى العكس استبق تشكل محور برلين لندن ، وانضم اليه قبل ان يولد ؟

مصادر
الدستور (الأردن)