... ترى أين هو ريتشارد باتلر؟ ماذا يفعل الآن؟ كيف يمضي أيام تقاعده؟ هل هناك من يتذكّره؟ ما رأي مواطنيه الاستراليين به؟ هل يتابع أخبار العراق؟ كيف ينظر إلى حمام الدم هناك؟ هل قرأ التقارير الأميركية الرسمية الجازمة بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل؟ هل يعيش أزمة ضمير؟ ألا يخشى أن يحاسبه أحد؟ ألا يشعر بدين في عنقه؟ هل تخلى عن طموحاته باحتلال منصب دولي؟ هل بات أكثر تواضعاً؟ صدقاً؟ نزاهة؟ حيادية؟

كدنا ننساه لولا مقالة روبرت كاغان (راجع <<السفير>> أمس). أعاد إلينا أحد أقطاب <<المحافظين الجدد>> في أميركا، وأحد الدعاة المبكّرين للحرب على العراق، أعاد إلينا صورة ذلك <<الاسترالي البشع>> الذي ترأس بعثة <<أونسكوم>> وعمل قائدا لمئات المفتشين <<الدوليين>>.

استعاد كاغان ذكرى باتلر في سياق محدد. ف<<الصقر الأميركي>>، الليكودي الهوى (نسخة بنيامين نتنياهو)، يراقب بقلق صعود الأسئلة حول الاحتلال الأميركي للعراق. وهو قلق، بالضبط، لانحسار قاعدة التأييد لهذه المغامرة الدموية والمكلفة. قرّر أن يرد على النادمين. كتب مقالاً نشرته <<واشنطن بوست>> بعنوان <<الذاكرات القصيرة حول العراق>>. عدّد أسماء المسؤولين والخبراء الذين كانوا حاسمين في امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. وأوضح أنهم ينتمون إلى كافة التيارات الإيديولوجية الأميركية. وتوقف، خاصة، عند الديموقراطيين منهم. قال ما معناه <<إننا كنا جميعاً شركاء>> ولكنه لم يذهب إلى أي استنتاج من معنى هذه الشراكة في الكذبة. إن كاغان محق بمعنى ما. ربما كان علينا أن نعود إلى تلك الفترة من أواسط التسعينيات صعوداً. فعلى امتداد سنوات طويلة نشأ إجماع شبه كوني على أن نظام صدام حسين يشكل خطراً داهماً وتبارى مسؤولون كبار في الغرب الديموقراطي لإيضاح حجم المخاطر المتراوحة بين القدرة على إبادة مدينة والقدرة على إبادة البشرية... مرات عدة! لقد كُتبت آلاف المقالات، والدراسات، والأبحاث، وألقيت عشرات ومئات الخطب والتصريحات، وتكوكب الإعلام المرئي مع المسموع مع المقروء على حفر هذه الحقيقة الدامغة في ذهن العالم كله: العراق مستودع للخطر وهو ماض في تعظيم شأنه.

ربما كان علينا، في هذه الفترة كلها، أن نلجأ إلى وسائل الإعلام الهامشية من أجل أن نجد ظلاً من التشكيك. ولقد كان علينا أن ننتظر إلى ما بعد الحرب بسنة وأكثر من أجل أن ينهار البناء بكامله وأن تظهر الحقيقة، وهي حقيقة مخالفة حرفاً بحرف لكل ما قيل لنا (وصدقناه) إنه الحقيقة المطلقة.

صحيح أن العالم انقسم حول الحرب. ولكن الدول الرئيسية المعترضة (فرنسا، ألمانيا، روسيا، إلخ...) اعترضت على كل شيء إلا على <<واقع>> أن العراق مالك لأسلحة دمار. كان السؤال ممنوعاً إلى حد بعيد. وكان، في بعض البلدان، بمثابة خيانة وطنية. فالعالم، وهو كما يقال <<قرية كونية>>، غادر أي تعددية ولم يعد يحتملها، وفضّل الركون إلى رواية وحيدة تجعل من نظام كوريا الشمالية أكثر تسامحاً مع الرأي المخالف.

وإذا كانت وسائل إعلامية امتلكت، بعد خراب البصرة، جرأة النقد الذاتي فإنها بقيت مقصّرة عن أن تذهب إلى نهاية المنطق وأن تقول لقرائها لماذا حصل ما حصل وما هي الضمانات لعدم تكراره. والأهم من ذلك كله، ربما، أن كولن باول تحسّس <<الوصمة>> على جبينه قبل أيام من غير أن يقدر على محو صورته وهو يخاطب مليارات البني آدميين من على منبر مجلس الأمن مستعرضاً أمامهم الأدلة الثبوتية والوقائع الدامغة عن <<الخطر الداهم>>، الخطر الذي توقعته كوندليسا رايس على شكل <<فطر نووي في المدن الأميركية>>. لم يكن في وسع أي خيال جموح أن يقدّر، في ذلك الوقت، أن توافقاً شبه إجماعي يمكن أن ينشأ حول مثل هذه الأسطورة. لقد فقد العالم حسه النقدي فاتحاً الباب أمام الهوس البوشي وعاجزاً، بعدما أطلق المارد، عن إعادته إلى القمقم ولو بتظاهرات ضمت الملايين.

لنعد إلى مقال روبرت كاغان. كتب: <<أذكر أني تأثرت بصورة خاصة بكتاب باتلر المنشور عام 2000 التهديد الأعظم، العراق، أسلحة الدمار الشامل، تنامي أزمة الأمن العالمي والذي كتب فيه رئيس مفتشي الأمم المتحدة، بعد سنوات من مطاردات لا تنتهي للعراق، وبتأكيد مطلق، أن صدام حسين كان بحوزته أسلحة دمار شامل بالفعل، وأنه بذل جهوداً كبرى لإخفائها عن أنظار العالم. قال باتلر في كتابه <<هذا هو نظام صدام حسين: قاس، متربص، تهديدي، ومصمم على الإبقاء على أسلحة الدمار الشامل>>.

المهم في هذه الفقرة أن كاغان وأضرابه وجدوا في تقرير دولي، وفي جهد دولي منبثق عن مجلس الأمن وتابع له، وفي عمل مئات المفتشين المعبّر عنه في حصيلة وضعها باتلر، المهم أنهم وجدوا سنداً ينزع عن ادعاءاتهم طابع اهتمامها بخدمة مصالح أخرى غير مصالح الإنسانية جمعاء.

وبالفعل فإن في تصريحات باتلر كما في كتابه ما يقدم زاداً للتيار الواضع الحرب على العراق في سياق استراتيجي شديد الصلة بالعدوانية الأميركية والتوسعية الصهيونية. ولكن قبل التوقف عند بعض ما يزعمه باتلر لا بد من القول إن الاحتفاء العالمي به كدبلوماسي، وكخبير أسلحة، وكمناضل من أجل مكافحة أسلحة الدمار، إن هذا الاحتفاء فاق، بما لا يقاس، ما نشهده هذه الأيام من مدائح تُكال لبعض المبعوثين الدوليين إلى لبنان. وليس هذا غريباً لأن مهمته كانت تفوق في أهميتها ما هو موكل إلى هؤلاء. كان باتلر يشكو من تخاذل العالم، أميركا خاصة، في دعم <<أونسكوم>> من غير أن يمنعه ذلك من غض النظر عن اختراق الاستخبارات المركزية الأميركية لجهاز المفتشين وهي الفضيحة التي ضج بها العالم وقتذاك. وكان باتلر يرفض النظر إلى النظام العراقي إلا بصفته <<الأخطر>> والمحكوم من رجل <<مدمن على أسلحة الدمار الشامل>>. وكان يتأفف من أن هناك من يريد غض النظر عن الترسانة العراقية المتطورة يوماً بعد يوم والقادرة <<على ضرب الاستقرار في النظام العالمي كله>>. إنه هو قائل الجملة الشهيرة: <<تخيّلوا النتيجة لو أن صدام قرّر قصف إسرائيل بقنبلة نووية، ولو أن العراقيين قرّروا مهاجمة أنفاق لندن بالأسلحة البيولوجية>>.

قدّم لكتابه بالحض على فعل شيء ضد <<ديكتاتور مجنون يستطيع أن يشعل حرباً تقضي على ملايين البشر>>. ولقد رد أحد كبار المفتشين عليه، سكوت ريتر، في كتاب يدحض ادعاءاته. ولكننا نعرف اليوم أن <<العالم>> أصغى إلى باتلر وأنه قدّم ما يشبه <<التغطية الدولية>> لعدوان غير مبرّر.

لا شيء يمنع أن نكون نشهد اليوم فصلاً جديداً من فصول هذه الخديعة وذلك بالرغم من أن الأولى انكشفت تماماً، ومن أن آثارها العراقية الماثلة أمامنا مدمرة وقاتلة.

إن ما يقال عن إيران وسلاحها، وعن سوريا ودورها، يمكنه، يمكنه فقط، أن يكون سليل هذا النمط من التعاطي. ولن يغيّر في الأمر كثيراً أن يصدر الكلام عن رئيس لجنة طاقة دولية أو عن محقق دولي. نعم، إن ريتشارد باتلر قابل للاستنساخ. ولا حلّ أمام هذا الاحتمال إلا الإبقاء على الوعي النقدي وعلى التحليل العقلاني. لقد لُدغنا من جحر مجلس الأمن مرة في العراق عن طريق باتلر وليس مطلوباً إلا القدر من تحصين النفس حتى لا نُلدغ ثانية. هذا ليس تشكيكاً بأحد. إنه، فقط، دعوة إلى عدم التغابي.

مصادر
السفير (لبنان)