منصب سفير الولايات المتحدة في اسرائيل كان تجسيداً لحلم العمر. أميركي معتز بنفسه ويهودي فخور أيضاً يمثل دولته في دولة شعبه. إلا أن هذا الحلم بدا على الأقل في جزئه الأول كابوساً مرعباً. دانييل كيرتسر جاء الى هنا بعد اندلاع الانتفاضة بعدة أشهر حيث غمرت الشوارع موجة من الارهاب وكانت العملية السياسية محطمة وعرفات في أفول وشارون متمترس في مواقفه وواشنطن شبه لامبالية وأمواج الدم العملاقة تغمر الجميع. كيرتسر ينفي، ولكن في حاشيته يعرفون كيف يروون أنه أخذ المسألة بتأثر شديد. الحلم الصهيوني بدا وكأنه ينهار في خضم سحب الدخان والنار. السفير، حسب شهادة بعض أصدقائه، يعيش داخل واقع مفزع. وفي بعض الأحيان كان لذلك انعكاسات جسدية عليه. يبدو أن كيرتسر تأثر بالوضع بصورة عميقة. علاقاته مع رئيس الحكومة ارييل شارون لم تكن جيدة، والأمل أخذ يتلاشى وبدا كل شيء أسود.

بعد أيام سيغادر اسرائيل بعد سنواته الأربع في هذا المنصب. السنوات لم تكن لطيفة ولكن النهاية جيدة. علاقاته مع شارون كانت في بداية ولايته باردة الى درجة الجمود. رئيس الحكومة كان في عام 2001 شخصاً آخر، مرتاباً متوتراً عندما ألقى خطاب تشيكوسلوفاكيا الشهير ضد الادارة الأميركية وهو في ديوانه. كيرتسر كان ضيفاً غير مرغوب به تقريباً. ولكن في هذه الأثناء تغيّرت الأمور. شارون جاء في الأسبوع الماضي لتعزية كيرتسر لفقدان والدته في بيت السفير في هرتسليا. رئيس الحكومة دعا كيرتسر وزوجته لمأدبة وداعية حارة في مزرعته. السفير كيرتسر يحظى حتى هذه اللحظة بوساطة دوف فايسغلاس، بالتقدير والثقة في ديوان رئيس الحكومة. حول ما إذا كان يمكن أن يصدق بأن شارن سينسحب من غزة ذات يوم، يقول كرتسر: لو كنت قد قلت لي أنني سأغادر اسرائيل مع آخر جندي يخرج من غزة لفوجئت، ولكن باعتباري مراقباً للأحداث مرحلة بمرحلة أقول إنني قد لاحظت التغيّر الفكري التدريجي الذي حصل على رئيس الحكومة مع الوقت. ولذلك لم أفاجأ في هذه المسألة. قبل خطاب هرتسليا بأقل من سنة كان شارون قد قال إن حكم نتساريم كحكم تل أبيب، وكان يلتقي مع الناس ويقول إنه لا توجد أي مشكلة ديموغرافية. ولكن حينئذ بدأ التغيير والادراك. خارطة الطريق علقت مكانها والحوار مع أبو العلاء وصل الى طريق مسدود. شارون أدرك ببساطة أن استمرار الوجود في غزة يشكل عبئاً كبيراً على اسرائيل، عبئاً استراتيجياً غير بسيط، ولذلك قرر وضع حد لذلك. قرر ونفذ.

وحول التقدير بأنه كان بإمكانه أن يحصل على ثمن هائل من أميركا والفلسطينيين مقابل إخلاء غزة، يقول كيرتسر إنه لا يتوافق مع هذا التقدير، فمحاولة تسويق المسألة والحصول على ثمن هنا وهناك مقابلها كانت ستضيع الجوهر. الجوهر بالنسبة لشارون كان التخلص من عبء غزة. هو لم يفكر حينئذ بالاتفاق مع الفلسطينيين، فقد كان عرفات حياً وأبو علاء بلا صلاحيات. وفي اعتقاد كيرتسر فقد حصل شارون على ثمن جيد من الرئيس الأميركي وهو رسائل الرئيس الصادرة في نيسان، فهو ببساطة رغب في التخلص من الدونية الاستراتيجية المكلفة في غزة.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان يعتقد أن شارون سيتوجه نحو التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين أم أنه يحاول في نهاية المطاف تكريس الاستيطان في الضفة الغربية، قال كيرتسر: أريد أن أكشف لك شيئاً ما. كنت هنا في مهمة ما في السفارة في الثمانينات. غادرت في عام 1986. علاقات الادارة الأميركية مع شارون في ذلك الحين كانت إشكالية. قبيل مغادرتي جلست مع صديق قريب وقلت له إنني أعتقد أنه إذا كان هناك اسرائيلي قادر على صنع السلام لاسرائيل فاسمه ارييل شارون. منذ ذلك الحين لاحظت أنه قادر على القيام بذلك. وبشأن الجدل الدائر في اسرائيل حول ما إذا كانت رسائل بوش في نيسان 2004 لشارون إنجازاً اسرائيلياً حقيقياً ذلك لأن كلينتون قال الأمور نفسها أيضاً، يرى كيرتسر أنها انجاز كبير. كلينتون قال ولكن معاييره أزيلت عن الطاولة بعد فشل المفاوضات. في حالة بوش طرحت المسألة بصورة مكتوبة وتحولت الى وثيقة رسمية وموقف رسمي. المسألة أصبحت اليوم التزاماً أميركياً علنياً. الحكومة الاسرائيلية أيضاً أدركت ذلك، والدليل هو المصادقة الواسعة على فك الارتباط بعد عودة شارون من واشنطن.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)