يقول دبلوماسي عربي في باريس إن فكرة احتمال قيام القوات الأميركية بضرب أهداف سورية قد طرحت قبل فترة، ولكن دولاً عديدة وبينها فرنسا والسعودية ومصر ترفض حتى الآن حصول ذلك لاعتبارات عدة أبرزها الخوف من فوضى أمنية كبيرة.

ووفق معلومات أكيدة، فإن بعض المسؤولين العرب بعثوا لسوريا تحذيرات تفيد بضرورة القيام بخطوات إيجابية وإعلان الرغبة بالتعاون مع المحقق الدولي ديتليف ميليس بغية تفادي الأسوأ. وتقول معلومات في باريس إن وزيرة الخارجية الاميركية كوندليسا رايس بدأت مشاورات حثيثة مع الفرنسيين (خصوصاً عبر موريس غوردو مونتانيو مستشار الرئيس جاك شيراك) وعدد من المسؤولين الاوروبيين والعرب بغية الاتفاق على استراتيجية ما بعد تقرير ميليس، والاتجاه الطاغي حالياً هو المزيد من عزلة نظام الرئيس بشار الاسد.

ونقلت صحيفة <<لوفيغارو>> الفرنسية اليمينية أمس عن مسؤولين في وزارة الخارجة الفرنسية قولهم <<إن الأولوية بالنسبة لنا تكمن في استقلال لبنان وليس تغيير النظام السوري الذي ينشده الأميركيون>>، ما يشير إلى تباين فعلي في النظرتين الأميركية والفرنسية راهناً، بشأن سوريا. وتستعيد الصحيفة الفرنسية ما كانت سبقتها إليه مجلة <<نيوزويك>> الأميركية، التي أشارت إلى أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) <<بدأت على الأرجح مراجعة بعض خطط التدخل العكسري. ذلك أن رئاسة الأركان الاميركية التي تستبعد اجتياحاً لسوريا، تلحظ بالمقابل إمكانية القيام بغارات جوية على بعض مخيمات تدريب الارهابيين وأهداف أخرى>> على الأراضي السورية.

ويبدو أن وصول القوات الأميركية حتى الحدود السورية، بعد المعارك الضارية في تلعفر العراقية، فتح شهية بعض المحللين الغربيين على احتمال قيام الولايات المتحدة بمغامرة عسكرية في سوريا، وذلك للأسباب التالية:

إن الرئيس الأميركي جورج بوش اتهم سوريا مباشرة بتدريب وإرسال مقاتلين إلى العراق، وبقتل الكثير من العراقيين <<كما أنهم يقتلون أو يحاولون قتل رجالنا>>، ما يعني أن سيد البيت الابيض يحاول أن يحصل من شعبه على <<تفويض>> بالقيام بالمغامرة السورية من منطلق أنه يحمي مواطنين أميركيين.

إن واشنطن الغارقة حتى أذنيها حالياً في المستنقع العراقي بدأت الإعداد لسحب قواتها من هناك، ولكن بوش لا يريد أن يجرجر خلفه فشلا أمنيا وسياسيا. ولذلك فمن السهل عليه إلقاء المسؤولية على سوريا. إن القيام بعمليات محدود ضدة أهداف سورية، والذي قد يأتي تحت ذريعة <<ملاحقة عناصر القاعدة خلف الحدود>>، من شأنه زيادة الضغط على إيران على اعتبار أن ما أصاب سوريا قد يصيبها.

وعلى أهمية هذه الأسباب إلا أن ثمة تحليلات أخرى تقول العكس، وتنطلق من فكرة أن الضربات المحدودة ستزيد النظام السوري قوة، وستؤجج المقاومة، وقد تستثير بؤر توتر أخرى. ذلك أن حزب الله أو حركة حماس أو غيرها من التنظيمات والحركات المؤيدة لسوريا، قد يبادر إلى الرد على طريقته. ثم إن دولاً غربية (وفي مقدمها فرنسا) وعربية معنية بالملفين اللبناني والسوري، تعتبر أن أية ضربات محدودة ضد سوريا في الوقت الراهن قد تدفع دمشق إلى وقف تعاونها مع لجنة التحقيق الدولية، ولذلك فهي تنصح بانتظار نتائج التحقيق الذي تعتقد أنه سيدين مسؤولين سوريين، وبعدها يصار إلى التعامل مع النظام السوري وفق ما ينبغي القيام به، خصوصاً إذا ما رفض معاقبة المتورطين المفترضين باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري.

وتقول أوساط فرنسية متابعة للملف السوري: <<إن بوش طالب الرئيس الاسد بمزيد من العمل>> لقطع دابر المتسللين الى الاراضي العراقية، ما يعني اعترافا ضمنيا بأن سوريا تتجاوب ولكنها لم تنفذ كل ما هو مطلوب منها. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الادارة الاميركية تريد المزيد من الضغوط على النظام السوري وليس ضربة في الوقت الراهن.

هل تضرب واشنطن إذاً أهدافاً سورية أم لا؟

يقول دبلوماسي عربي له علاقة مباشرة بهذا الموضوع: <<المشكلة أن قواعد التحرك العسكري الاميركي لم تعد مع جورج بوش خاضعة لأية تحليلات منطقية. ولو شعرت الإدارة الأميركية أنها بحاجة للقيام بمثل هذه الضربة فإنها لن تستشير أحداً، وسوف تبرر ذلك بمعارك عند الحدود، وبأن العناصر الذين تلاحقهم قد دخلوا الى الاراضي السورية. ويساعدها في ذلك أن النقمة باتت كبيرة في الاوساط العراقية بعد عمليات التفجير الاخيرة>>.

مصادر
السفير (لبنان)