لم يكن لدينا اعتراض آنذاك مثلما ليس لدينا اليوم على أن يكون “حزب العدالة والتنمية” حزباً قومياً تركياً متواصلاً مع الميراث السياسي الكمالي، جانحاً نحو الولاء للوطن قبل الولاء للدين، فهو في ذلك يشبه سائر الأحزاب السياسية التي يقوم مشروعها على مبدأ المصلحة القومية (وخاصة حينما تكون في مواقع السلطة)، وإنما اعتراضنا كان وما بَرحَ اعتراضاً على تقديم الحزب نفسه حزباً “إسلامياً” مرجعه الدين! وهو قطعاً اعتراض مضاعف على تصديق من يصدّق مثل هذه الأزعومة من الاسلاميين العرب فيبنون عليها معماراً هشّاً من الأوهام. ف “إسلامية” الحزب إنما هي شأن يفهم في سياق الداخل التركي بحسبانها طريقة ناجعة للاستثمار السياسي في الدين وفي المشاعر الدينية لقسم عريض من الشعب التركي المسلم قصد اكتساب أسباب الشرعية والقوة.

ولعلّ الذين وضعوا منّا نحن العرب بيضهم في سلّة “حزب العدالة والتنمية” التركي، وأملوا في أن يكون صعوده إلى السلطة دليلاً على قدرة حركة إسلامية على احداث اختراق استراتيجي لجدار النظام العلماني، وتصحيح علاقات تركيا بمحيطها الاسلامي المنشقّة عنه، منذ ثلاثة أرباع القرن، فاتَهمْ أن الحزب لم يُقسم اليمين الدستورية بأن يلتزم التعاليم القرآنية في سوس تركيا وأهلها وإدارة شؤون السياسة والاقتصاد والحرب فيها، وفي إقامة الصلة بجوارها الجغرافي الجنوبي والشرقي على مقتضى “التضامن الاسلامي”، وإنما أقسم على الالتزام بتعاليم مصطفى كمال أتاتورك وبقيم الجمهورية العلمانية بخدمة مصالح تركيا، التي قد تتعارض مع مصالح مسلمين آخرين مثل العراقيين والأفغان! مرة أخرى ليس لدينا اعتراض على هذا الخيار في السياسة، إنما اعتراضنا على الادعاء بغيره، وعلى تصديقه من بعضنا بغباوة ليس يُحسد عليها!

كان في وسعنا أن نَلحظ حينها كما نلحظ اليوم أن ميلاد الحزب من تجربتين حزبيتين سابقتين في تركيا “حزب الرفاه”، “حزب الفضيلة” أتى يستجيب لاشتراطات المؤسسة العسكرية والعلمانية إلى الحد الذي انتزعت منه كل علامات الانتساب الديني، مثلما أتى يترجم رغبة أمريكية في رؤية حزب “إسلامي” تركي على مقاس رؤية واشنطن لما يجب أن يكون عليه الإسلام. وكان في وسعنا أن نلحظ أن ذلك الميلاد ما أصبح ممكناً إلا بعد ضغط أمريكي على أنقرة لمنح الحزب مشروعية قانونية. كما كان في وسعنا أن نتوسّل بلعنات السيد نجم الدين أربكان على الحزب ومؤسسيه، واتهامه إياهم بخيانة رسالتهم الاسلامية، لفهم ما جرى. لكننا آثرنا الحكم على الحزب من أفعاله، في المقام الأول، بغير إعراض منّا كلية عن هذه الوقائع التي يسعفنا الاستئناس بها لإدراك حقيقة أمره.

لقائل أن يقول إن العبرة بالخواتيم. وفي هذا، نأى “حزب العدالة والتنمية” بنفسه عن جريمة العدوان على العراق وغزوه واحتلاله من خلال امتناعه عن تقديم أراضي تركيا وقواعدها الجوية تحت تصرف الأمريكيين. وهذا صحيح؛ ولكن ذلك حدث لأسباب لا علاقة لها بموقف إسلامي أو مبدئي، بل لعلاقتها بمصالح تركيا القومية. إذ اعتذرت حكومة “العدالة والتنمية” عن المساهمة في العدوان على الجار المسلم (العراق) لأن الثمن المالي الأمريكي المعروض عليها مقابل ذلك كان هزيلاً، ثم لأن الإدارة الأمريكية رفضت، على نحو قاطع، السماح للقوات العسكرية التركية بالدخول إلى محافظات أربيل ودهوك والسليمانية (العراقية الكردية) أثناء الغزو؛ الأمر الذي بَدت معه مصالح تركيا القومية غير مرعية. ذلك عينُ ما وَقَع؛ ومن يبحث عن تفسير آخر غير ذلك، فكأنما يبحث عن حبَّة عدس في قاع البحر.

ولقائل أن يقول إن موقف حكومة “العدالة والتنمية” التركية من الأوضاع في العراق اليوم أفضل بكثير وأشرف من نظام رجال الدين في إيران، لأنه يدافع عن وحدة العراق الكيانية بينما ينغمس الإيرانيون في ترتيب حل طائفي للمسألة العراقية. وهذا صحيح بغير شك. لكنه ليس مصروفاً للتضامن مع الشعب العراقي في مواجهة مشاريع الاحتلال والتدخل الإيراني التفكيكية، وإنما مخافة منح الأكراد فيدرالية في الشمال العراقي ترتد سلباً على تركيا وترفع من سقف مطالب كردها في جنوب شرق الأناضول.

هذه هي “الحكومة الإسلامية” في تركيا بلا زيادة ولا نقصان. ومن يَرتبْ في ذلك، فليتأمل في الخطوة الجديدة التي قطعتها تجاه الكيان الصهيوني. فلقد قطع رئيسها أردوغان الشك باليقين حين نزل ضيفاً على نظيره ارييل شارون في فلسطين المحتلة. بل تَفَوّق على نفسه في إبداء الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني إلى حيث زار القدس الغربية المحتلة “عاصمة” “إسرائيل”، وأعلن استعداد حكومته للتعاون مع حكومة شارون لمكافحة “الإرهاب”! ولمن لا يَعْلم، فإن “الإرهاب” الوحيد الذي تعاني منه “إسرائيل” هو المقاومة الوطنية التي تخوضها “كتائب شهداء الأقصى” و”حماس” و”الجهاد الاسلامي” و”حزب الله”! وقد يقال إن تركيا معترفة ب “إسرائيل” منذ زمن، وأن لا حول ولا قوة لحكومة “حزب العدالة والتنمية” “الاسلامي”. ونحن نعرف هذا. ولكن، من أكره رئيس هذه الحكومة على زيارة “إسرائيل” وهو الإسلامي على ما يُقال، ولماذا لم يفعل ما فعله أربكان الذي رفض عرضاً مشابهاً حين كان رئيس وزراء، فخرج من السلطة نظيفاً.. أو قُل أقل تلَوُّثاً؟

سينبهنا بعضٌ إلى أن عرباً من الصف السياسي الأول سبقوا الأتراك إلى زيارة “إسرائيل”، وأن عشرات منهم من الصف الثاني (رؤساء حكومات، ووزراء) من مصر والأردن وقطر وموريتانيا فعلوا الشيء نفسه. ونحن لا نجهل ذلك؛ لكن أحداً من هؤلاء الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء ليس في عداد القوميين أو الاسلاميين ممَّن لا يستقيم إيمانهم بمعتقدهم السياسي إلا بالإيمان بلا شرعية الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛ ناهيك بأن أحداً من هؤلاء لم يأت إلى السلطة بأصوات المسلمين (المواطنين) كما أتى “حزب العدالة والتنمية”. وعلى ذلك، فإن زيارة أردوغان المشؤومة والمنكَرَة إلى “إسرائيل” لا تطعن في ظهر العرب فحسب، بل تمتهن الكرامة القومية والدينية للشعب التركي المسلم: المؤمن خلافاً لحكومته بعدالة قضية الشعب الفلسطيني، وتمثل تزويراً فاضحاً لإرادته. وسيدفع ثمنها في تركيا حزب أردوغان “الاسلامي” من شعبيته، كما دفع ثمنها اليوم من صدقيته لدى بعض الجمهور العربي.

كان طيب الذِكر نجم الدين أربكان يصف المنشقين عنه، المنضوين في “حزب العدالة والتنمية”، بأنهم عملاء أمريكا. لن نؤيّد وَصْفَه ولن نعترض عليه علماً بأنه أعلم منّا بهم نقول فقط إن السلاطين العثمانيين، والسلطان عبدالحميد الثاني آخرهم على نحو خاص، كانوا أكثر وطنية وإسلامية من أحفاد أحفادهم (أهل “العدالة والتنمية”) في مواجهة الحركة الصهيونية. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)