أصرت الإعلامية المخضرمة ندى المهتدي على القول «النساء قادمون» في كلمة ألقتها باسم المشاركات في مؤتمر الإعلاميات العربيات الثالث الذي انعقد العام الماضي, وما بين جدل التصحيح اللغوي «قادمات» والتصحيح المعنوي «قادمون» حان موعد المؤتمر الرابع الذي أقامه مركز الإعلاميات العربيات في عمان, وافتتحته الأميرة بسمة بنت طلال في 5€11 الحالي, بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية, وبدعم أمانة عمان وجريدة «الدستور» ونقابة طب الاسنان, بمشاركة حوالى 75 إعلامية يمثلن 15 دولة عربية ومنظمات وهيئات دولية واقليمية, ناقشن على مدى أيام ثلاثة العديد من القضايا تحت عنوان «الإعلامية العربية في مواجهة المتغيرات السياسية».

النتائج التي حققها هذا اللقاء, جاءت من خلال وجهة النظر تلك, ببراهين إضافية على أن النساء «قادمون», ليس لتحصيل حقوقهن فحسب, بل قادمون لتضميد الجراح, والتغلب على السواتر العازلة المتنامية على حدود بلداننا العربية داخل الوطن الكبير. الإعلامية العنيدة محاسن الإمام, ويصح عليها وصف المقاتلة والمناضلة بكل ما لهذه الكلمات من معنى, في زمن بات فيه أي اجتماع عربي بحاجة لنضال مرير لتحصيل نفقات انعقاده, وبحاجة لمعارك لإنجاحه, فما بالنا بمؤسسة أهلية لا تزال على قيد العروبة, في زمن تتبرأ فيه الأنظمة والحكومات من عروبتها, كما تتبرأ من مرض سار انقرض, خشية أن يعزلها العالم المتحضر جداً.

محاسن الإمام رفعت رأسها أمام العاصفة, وحاولت عبر مؤسستها بناء سد من الإعلاميات العربيات لمواجهة إعصار التفتيت الأميركي والمتغيرات السياسية, لتجاوز خلافات يروج لها وبكل أسف إعلامنا العربي المبتلي بأنظمة متهالكة, حتى بدت الإعلاميات في هذا المؤتمر نموذجاً عاماً للإعلاميين العرب الذين لا تعبر عنهم وسائل إعلامهم, فهم في واد وما يظهر في وسائلهم التي يعملون فيها في واد آخر, حيث لا تأثير لطموحاتهم الطيبة, في ما يبيته خبث المخططات الدولية وتخبط السياسات العربية.

بالمقارنة مع المؤتمر الثالث الذي سممت أجواءه الحرب على العراق, وجدالات التحرير والاحتلال, أتى المؤتمر الرابع كنسمة حياة ربيعية في صيف احتضار حار, فكلنا استشعر دنو وباء موت طويل, ومع ذلك ثمة أمل تصنعه النساء بدأب وصمت, نراه في جهود تبذلها امرأة مثل مارتا ساره الألمانية منسقة البرامج في مكتب عمان لمؤسسة كونراد أديناور, التي تشجع الحوار الأوروبي ­ الشرق أوسطي وتنشيط عملية السلام, وتعميق الحوار بين الحضارات والأديان. مارتا رافقت الإعلاميات بابتسامتها اللطيفة طيلة أيام المؤتمر, وصرخت كمن اكتشفت سر الجاذبية الأرضية, حين طرح في المؤتمر نأي الإعلام العربي عن نقل الصورة الحقيقية لتعددية المجتمعات العربية, وطالبت بضرورة تركيز الإعلاميات على هذا الموزاييك المتناغم الذي يجهله الغرب عن الشرق العربي.

من يسمع صوت مارتا؟! الغرب يجهل أو هكذا تريد حكوماته, وإعلامنا الجاهل والمتجاهل لا يتبدل ولا يتحول, وكذلك لا يرى حتى لو أغرقته دماء التناحر المفتعل؛ هذا ما تأمر به سياساتنا العربية الغراء!

هل تنجح النساء حيث فشلت السياسة وخبَّص الإعلام؟ لِمَ لا؟! ومن محاسن الصدف تزامن الإطلالة المشرقة والمشرفة لنجمة سوريا المتلألئة سلاف فواخرجي عبر شاشة تلفزيون المستقبل مع أيام انعقاد المؤتمر, لتسري الطمأنينة في عروق العلاقة الشعبية بين لبنان وسوريا, عبر رسالة مخلصة من سلاف خلال برنامج «خليك بالبيت» إلى من يريد سماعها في سوريا ولبنان, ولا نظن أنهم قلائل, بل وأزعم أنهم الأكثرية الساحقة: إننا شعب واحد في بلدين؛ الفن يطهر قذارات السياسة, وينقي القلوب المكلومة. أليس الفن رسالة حب وسلام ووئام؟!

«النساء قادمون» رددتها وأنا استعيد في ذاكرتي صورة سلاف وصور زميلات تعرفت إليهن في المؤتمر, وأخريات أعيش معهن في بلدي, نجحن في رسم ملامح جديدة للمرأة في ميدان العمل والأمومة والأنوثة, تداعيات لا يمكن أن تتجاهل الزميلة صفاء محمد وأنا إلى جوارها في سيارتها, نجوب شوارع دمشق أثناء زيارة ديتليف ميليس الأسبوع الماضي بحثاً عن اثر يدل على مكان اجتماعه بالمسؤولين السوريين, ما بين وزارة الخارجية في المهاجرين ومقر الأمم المتحدة في المزة, كان صندوق السيارة يقرقع لدى كل توقف مفاجئ عند الإشارة الضوئية, فتقول صفاء إنها طناجري, دون أن تعيقها قرقعتها عن متابعة التحليل السياسي للحدث عبرالهاتف تارة مع محطتها, وأخرى مع زملاء يتقصون مثلنا عن الزيارة, ودون أيضا أن يغيب عن بالها تحضير الغذاء لعائلتها الصغيرة التي تنتظرها. طوال يوم كامل قضيناه معاً بمناسبة زيارة ميليس, تعرفت على صفاء المجتهدة والعصامية التي فقدت والدتها في سن مبكرة وأصرت على مواصلة الدرب, رأيتها كيف تحصل على المعلومات, وتعد تقريرها السياسي وتطل على المشاهدين العرب, في الوقت الذي تدعونا فيه لتذوق أطيب ما تطبخه يداها, فيما تهتم بطفلتها, وتشارك زوجها في شؤون العمل والأسرة, وتتابع مهام العاملين في مكتبها... إلخ؛ وكأننا أمام مجموعة نساء يتقدن حيوية ونشاطاً لا امرأة واحدة تعمل دون أن تكف عن المزاح والغمز واللمز الخفيف اللطيف.

هل النساء قادمون؟ لا, النساء قادمات.

قادمات بأنوثتهن وجمالهن وحنانهن ورقتهن, وأيضاً بصلابتهن وصبرهن, لا ليأخذن أدوار الرجال, أو يقلدنها, ولا ليضفن إلى الرجال رجالاً, فيستعرن خيباته ويستأجرن فشله, وإنما قادمات بفضل سواعدهن وذكائهن إلى جوار رجال محبين يحترمون قدرات شريكتهن: امرأة تحمل على أكتافها أعباء الشأن العام والخاص, وتتحامل على التعب والإرهاق, لتمسك بأعنة الحياة والمجتمع والسياسة جنباً إلى جنب مع الرجل.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)