لا يخلو بيان للمعارضة، في سورية أو غيرها من دول شرق المتوسط، من الحديث عن المواطنة وحقوق المواطنة. ويبدو عبر الخطاب السياسي وكان المواطنة كلمة سحرية تحتكر السلطات حق التحكم بها، أو أنها إجراء تقني تمنعها الحكومات عن شعوبها.

بالفعل فإن حقوق المواطنة لها علاقة مباشرة بالحكومات وبصياغة الدولة وبالسلطات التنفيذية والتشريعية، لكن المواطنة أيضا مصطلح ظهر مع الحداثة ومع عصر التنوير الأوروبي، فهو لا ينفصل عن السياق التاريخي لعملية النهضة ككل. وإذا كان الخطاب السياسي يركز على المواطنة عبر العلاقة بين المجتمع والدولة. فإن حقوق المواطن ككل تشكل ثقافة ربما علينا تأسيسها من جديد. ففي تراثنا لا يوجد "حق" بهذا المعنى. والمؤلفات تتحدث عمليا عن حقوق الله. وحتى عندما يتعلق الأمر بالإنسان وكرامته أو ضرورات عيشه، فإن هذا الموضوع ينتقل مباشرة إلى عمليات معصية الله، لأن عدم الإيفاء بمتطلبات العيش أو أي إساءة خاصة "بالأفراد" هي في النهاية عدم التزام بحقوق الله وتعد على شرعه.

الفارق الأساسي ان المواطنة وحقوقها هي علاقة على الأرض، وهي محسوبة بدقة داخل النظام الاجتماعي. لذلك فليس من المستغرب أن ينتهك الفرد داخل مجتمعنا حقه في الحياة دون ان يفرض أحد عليه ذلك. فهو قادر في غياب شرطي المرور انتهاك إشارات المرور بشكل يهدد حياته، وهو مستعد لانتهاك الكثير من الأنظمة البيئية وغيرها، كونها لا تشكل أي حرمة دينية أو تعد على حقوق الله. ولا ينفع الحديث الشريف "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" في الكف عن اعتبار الطرقات العامة أماكن استباحة لرمي كل نفايات.

ربما علينا استرجاع المواطنة كحق يفرضه الفرد على ذاته على اعتبار أنه يعيش وسط مجتمع وليس قبيلة بالمعنى الاجتماعي. فالشعور بالمواطنة قبل أن تفرضه الدولة تكرسه الثقافة الاجتماعية لحضارة الحداثة.

أطرح أحيانا مائة سؤال في اليوم عن كيفية تحول الثقافة لشأن ذاتي فقط. بحيث تصبح التعاليم الدينية (كعامل ثقافي مؤثر) شأنا يعني ذاتية الشخص، فهو قادر على فرض قانونه داخل عائلته، وعلى الادخار للحج، بينما يهمل التعامل مع القيم الأخرى المتعلقة بالإطار الاجتماعي العام .. وفق هذا السياق يمكن ان نفهم العديد من الظواهر الاجتماعية .. حجاب المرأة عندما تكبر .. اعتزال الفنانات في سن معينة .. غياب الأفكار المسيطرة في سن الشباب عن مراحل الكهولة .. وكأن العامل الذاتي هو الحاضر دائما في رسم شخصية ثقافتنا ..

بالطبع فإن المواطنة وفق مفهوم الحداثة تشكل التغير الاجتماعي الأبرز القادر على الانتقال بنا للمستقبل، ليصبح العامل الذاتي معبرا عن استقلالية شخصية الفرد، وليس آلية لانغماس الفرد في فهم ذاته بعيدا عن البيئة الاجتماعية.