موسم أضخم الكرنفالات السياسية مع نزوح زعماء العالم إلى الأمم المتحدة في ذكراها الستين كان مناسبة للولايات المتحدة بحكم الجغرافيا وهيمنة دولة الرعاية أو الوصاية التي توزع شهادات ودرجات حسن السلوك أو «سوء» السلوك لهذا الرئيس أو ذاك. ووسط حالة تزاحم الأحداث والتطورات على الصعيد العالمي نطرح السؤال: أين موقعنا في المنطقة من الإعراب في خضم كل ما يجري؟

والتساؤل الأهم يتركز محورياً لى كيفية تأثير الخارج في الداخل وكيف يتأثر هذا الداخل بالعوامل الخارجية ـ وبالتالي ماذا يحدث عندما يلعب الصغار مع الكبار، وكيف يتلاعب الكبار بمصير الصغار؟

وحرصاً على التركيز التحليلي يمكن القيام بجولة أفق مثلثة الأبعاد: لبنان - سورية - العراق أو ما يمكن تسميته بمثلث أوجاع حالات المخاض العسيرة والتعامل مع تداعيات تضخم الورم السياسي الذي بلغته أوضاع هذه الدول، خصوصاً أن المنطقة العربية بكاملها هي عشية مجموعة من الأحداث والعوامل التي تضعها جدياً عند المنعطف البالغ الخطورة.

لبنانياً: من دون الغوص كثيراً في زواريب ودهاليز الوضع اللبناني العام بلغت الأمور حداً غير مسبوق من السجالات والقنص السياسي انحداراً نحو قاع سحيق وتدني التعاطي السياسي والوطني مع مجريات الأمور لدرجة أنها تنذر بعواقب وخيمة على البلاد والعباد معاً.

وما شهدته نيويورك خلال الأيام القليلة الماضية من الشرذمة على الصعيد الرسمي وغير الرسمي أضافت إلى الشرخ الوطني القائم أصلاً، شرذمة جديدة ترفع من درجة القلق على التطورات الآتية وفي وقت ليس ببعيد استناداً إلى مجموعة من المعلومات والقرائن الحسية. وبقطع النظر عن الخوض في تفاصيل عمل لجنة التحقيق الدولية وما توصلت إليه من نتائج - والآتي أعظم - يمكن ملاحظة الآتي:

إن الموقف الأميركي من أسلوب التعاطي مع لبنان يتخطى شخص رئيس الجمهورية أميل لحود إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. وفي حين أن المحقق الدولي ديتليف ميليس أوضح أن الرئيس لحود ليس في دائرة الشبهات، لكن المدعي العام العالمي جورج دبليو بوش اتخذ صفة الإدعاء الشخصي ووجه «التهم» الجاهزة لرئيس الجمهورية في تصرف استباقي (على طريقة الحروب الأميركية الاستباقية). وحبذا لو لم تصل الأمور إلى هذه الدرجة من الشخصنة والإساءة حتى لا يتعرض الوطن إلى المزيد من الإهانات.

وفي السياق نفسه أرادت الإدارة الأميركية أن توجه أكثر من رسالة إلى أكثر من طرف لبناني في الوقت نفسه، فمع اعتذار رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عن عدم مشاركة رئيس الجمهورية في السفر معاً في وفد موحدّ، سارعت واشنطن إلى استنباط فكرة عقد المؤتمر الخاص بلبنان وأصرّت على أن يكون لبنان ممثلاً برئيس الحكومة. وينعقد هذا المؤتمر الذي توقع عدد من المراقبين ألا يسفر عن نتائج ملموسة لمساعدة لبنان ورئيس الجمهورية لا يبعد كثيراً من مكان انعقاده. كما أنها قدمت كل التسهيلات ومظاهر الترحيب بوجود السيد سعد الحريري متنقلاً بين زعماء العالم لإحياء ذكرى علاقات والده معهم، وساعياً إلى الحصول على أكبر تأييد ممكن لفكرة إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وإذا ما تخطينا الجوانب الشخصية مما جرى في نيويورك «وانتشار» الوفود اللبنانية التي وجدت في الوقت نفسه وتوغلنا في عمق الأمور يجب أن يسائل اللبنانيون، كل اللبنانيين أنفسهم عن مدى الحرص والغيرة من جانب الولايات المتحدة باتجاه لبنان.

والذي حدث هو أن أميركا تبحث بأي ثمن عن انتصار سياسي في المنطقة في مواجهة المستنقع الكبير في العراق. وحيال الفشل المعلوم قفز لبنان كبديل عن نصر أميركي ضائع ليصبح بنظر السيد بوش ما تشهده الساحة اللبنانية في الوقت الحاضر هو المركز المحوري الجديد الذي يجب أن تنطلق منه الديموقراطية إلى سائر دول المنطقة. وهذا هو نموذج عن كيفية تعاطي الكبار مع الصغار وكيف يلعب أو يتلاعب هؤلاء الكبار بمصير الصغار.

ومن هذا المنطلق تعمل إدارة الرئيس بوش على خطة عزل بعض الأنظمة في المنطقة مقدمة للإجهاز على بعضها، وهذا يطرح تلقائياً في الحديث عن الموقف الأميركي من النظام في دمشق وكيف يمكن الاقتصاص من الرئيس بشار الأسد لأنه لم يتجاوب مع كل المطالب الأميركية، خصوصاً لجهة ضبط الحدود مع العراق ومنع تسلل الإرهابيين الوافدين من كل حدب وصوب على العراق عبر البوابة السورية. لذا فإن الرئيس بوش يتعامل مع الرئيس لحود على أساس العلاقة المميزة القائمة بينه وبين الرئيس الأسد، ولا نعلم ما إذا كان هذا النوع من العلاقات ومن التميز مازال قائماً رغم الكلام العلني والعام عن ذلك. إذاً الخطوة الأولى هي جعل رئيس الجمهورية اللبنانية في حال عزلة داخلياً وخارجياً، تمهيداً لتحديد واشنطن أسلوب التعاطي مع الرئيس بشار الأسد.

وعندما يطرح الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل أيام أنه لا يؤيد تغيير النظام في سورية فهو يرد بشكل غير مباشر على التوجه الأميركي الداعي لمثل هذا الطرح. ولم يعد سراً مظاهر الضغوط التي تمارس على دمشق في عملية إخضاع واضحة في فترة تبدو فيها الخيارات السورية تضيق أكثر فأكثر.

وفي سياق ربط الأمور ببعضها البعض وضمن تداخل العوامل الداخلية مع العامل الخارجي أشار وليد جنبلاط قبل يومين إلى أنه «يصعب ترميم التعامل مع النظام القائم في سورية»، ويعكس بذلك زعيم المختارة التوجه الدولي العام حيال نظام الدكتور بشار الأسد.

إضافة إلى ذلك حاضر السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في لندن قبل أيام ومما قاله أن «سورية مهددة بالفعل وأن أي هجوم عسكري عليها سيشكل خطأً كبيراً، والوضع معقد جداً في المنطقة... وأنا عملت سابقاً في قضايا العلاقات السورية - اللبنانية، ونحن كجامعة عربية نبذل جهودنا لمنع حصول أي هجوم عسكري ضد سورية ولتأمين حرية سورية في اتخاذ قراراتها الحرة وتحديد مصيرها في المستقبل».

ورغم أن توجهات عمرو موسى ونياته لا يرقى إليها الشك لكن الأمر المشكوك به الحديث عن بروز دور عربي فاعل يؤثر في تغيير مسار الأحداث خاصة وأن ما كتب قد كتب!

ونبقى في السياق للإطلاع على المقاربة الإسرائيلية للأوضاع القائمة حالياً فنقرأ لألوف بن في صحيفة «هآرتس» مقارنة بين الانسحاب السوري من لبنان والانسحاب الإسرائيلي من غزة، يقول: «الوضع في الساحة الدولية معكوس: الأقل تراجعاً وانسحاباً يحصل على احترام أكبر. فارييل شارون توجه إلى النصر الديبلوماسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة والقادة الذين التقى بهم منحوه صفحاً علنياً عن تصرفه السيئ في حرب لبنان، فيما لم تحصل سورية على أي تنازل أو امتنان عن انسحابها من لبنان». ويضيف: «تأكد مرة أخرى اعتماد الدول الصغيرة المطلق على الدول العظمى، فقواعد اللعبة الجديدة في لبنان تحدث في واشنطن وباريس بعيداً عن المنطقة وشارون يستمتع بلقاء قادة العالم ليس لأنهم عشقوا شخصيته الساحرة! بل بفضل الدعم الأميركي». ويخلص إلى القول: أن سورية جسدت شعار كفى للاحتلال لكنها أصبحت منبوذة إقليمياً، أما إسرائيل فباعت بثمن باهظ عقاراً معطوباً لم ترغب به أصلاً (الانسحاب من غزة)».

وبالقدر الذي لا يهمنا فيه تلقي النصائح والعظات من إسرائيل يجب معرفة نمط التفكير الإسرائيلي وخاصة حيال بعض الشؤون المهمة والمفصلية في هذا الوقت بالذات. وآخر الرسائل التي بعث بها بوش إلى دمشق استخدام تعبير «المزيد من العزلة للنظام السوري». وبانتظار ما ستسفر عنه زيارة المحقق الدولي ميليس إلى العاصمة السورية نهاية الأسبوع يجب رصد كل التحركات والإيماءات التي تبعث بها واشنطن في هذا الاتجاه أو ذاك، ومن الطبيعي للرئيس بشار الأسد أن يقرأ جيداً تقلبات الإعصار الآتي إلى المنطقة. لأن أي خطأ في هذه القراءة له ثمن باهظ. ولأن الدور السوري مهم جداً بالنسبة للجبهة العراقية، فإن هذا العرض يوصلنا تلقائياً للحديث عن آخر المستجدات على المشهد العراقي. فالعراق أصبح كله مفخخاً والتأجيج الأمني الرهيب والمريع في الأيام الأخيرة لا يحتاج إلى وصف أو تعليق سوى التساؤل المخيف: العراق إلى أين ؟

لقد ذهب الرئيس العراقي جلال طالباني إلى واشنطن قبل أيام وسبق له القول أنه سيطالب بانسحاب 50 ألف جندي أميركي من العراق في فترة قريبة، لكنه ما أن التقى الرئيس بوش حتى تراجع عن هذا الطلب وزاد: «لا تفعل شيئاً دون التشاور مع الأميركيين» (رددها أكثر من مرة). وفي الحديث عن العلاقات المتوترة جداً بين بغداد ودمشق لم يتردد طالباني من الاستشهاد بالقول: «... من حفر حفرة لأخيه وقع فيها».

أما عن الوضع الداخلي في العراق فلا مجال لأحد أن يكابر على نفسه وعلى الآخرين من حيث فداحة الخسائر البشرية اليومية وأيام الأسبوع بكاملها وفق التقويم العراقي سوداء قاتمة. يضاف إلى ذلك هذه الدعوات التحريضية المذهبية من أكثر المخاطر المحيطة بمصير العراق، ومهما تحدث الزعماء العراقيون عن رفضهم لمظاهر التقسيم والتفرقة المذهبية والعرقية فمثل هذا الكلام لم ولن يمنع المخطط الذي يواجهه العراق.

إن الحروب الأهلية لا تحدث بصدور قرار بشأنها بل هي أمر واقع يفرض نفسه. وقد طرحنا السؤال عبر هذا المنبر بالذات: هل العراق موحدّ يجب العمل على منع تقسيمه ؟ أم أن العراق مقسم ويجب العمل على إعادة توحيده؟ أما حكاية الدستور الجديد والمساومات والمحاصصة والمقايضات التي جرت حوله فمن شأنها أن تضيف المزيد من التعقيد في العراق المتعدد الأعراق، كما أن الخلاف على «درجة» عروبة العراق سيكون واحداً من العوامل التي ستسهم في حملة شرذمة العراق وتفتيت وحدته.

وفي المحصلة النهائية:

- أن الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش بالذات تواقة إن لم نقل جائعة للحصول على «انتصار ما» في المنطقة، ومثل هذا الإنجاز سيكون عبر مثلث الأوجاع: لبنان، سورية والعراق.

- أن «الغيرة» الأميركية والغربية بوجه الإجمال والحرص على مصالح بعض الدول بالمنطقة وفي طليعتها لبنان لا يجب الخوف عليها بمقدار ما يجب الخوف منها. فالمصالح الأميركية ليست «كاريتاس» أو أي جمعية خيرية تقدم الخدمات مجاناً لهذه الدولة أو تلك، وستأخذ عملية «الاجتياح» الأميركية أكثر من شكل. لذا فعلى جميع القيمين على مصير الشأن اللبناني في الداخل الارتقاء بوحدة العمل الوطني الحقيقي والفعلي إلى أرفع درجات اليقظة والحرص. ونكرر الدعاء ألا يتحول الوطن اللبناني إلى جمهورية أحقاد وضغائن وتصفية حسابات والمعادلة باتت معروفة للجميع.

سورياً: التكتيكات التي اعتمدت سابقاً في أسلوب التعاطي مع المتغيرات الدولية لم تعد صالحة لهذا الزمن. لذا المطلوب «معالجة عصرية» لتفادي أي منازلة تحدث في ظروف غير متكافئة.

عراقياً: المشهد القائم حالياً قد يذهب في اتجاه مناقض تماماً للآخر أي يمكن أن يكون «العراق الجديد» عامل انفجار كبير يتعدى الحدود، أو يمكن أن يكون عامل انفراج، إذ لا يمكن أن يتواصل الوضع كما هو عليه الآن: تعداد الضحايا الذين يتساقطون بشكل يومي، وما من طرف عراقي أو أميركي يملك مفتاح الحل.

عربياً: أين أصبحت المساعي الهادفة إلى عقد قمة عربية طارئة والتي كان مقرراً انعقادها في مطلع الشهر الفائت لكن رحيل الملك فهد بن عبدالعزيز عطّل انعقادها. فكيف تطالب العرب بقمة استثنائية وطارئة ثم تسقط هذه الاعتبارات بسرعة دون معرفة الأسباب سوى التشرذم العربي المُعيب والمهين.

وللحديث عن شؤون وشجون المنطقة أكثر من تتمة.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)