اعتباراً من اليوم، تتخذ الرعاية او <<الوصاية>> الدولية على لبنان شكلا جديداً، وتعكس مضموناً جديداً، عندما يخضع الاقتصاد اللبناني لأول امتحان نظري منذ سنوات يتناول قدرته على المضي قدماً في عملية الإصلاح والتحديث، والأهم من ذلك في الحؤول دون الانهيار في مرحلة ما بعد فك الارتباط اللبناني السوري، وفي مرحلة ما قبل التحولات الإقليمية الكبرى المتوقعة العام المقبل. لن يكون مؤتمر نيويورك اليوم، الذي دعا اليه الاميركيون والفرنسيون، سوى نسخة منقحة ومزيدة من مؤتمر اصدقاء لبنان الذي عقد في واشنطن في خريف العام 1996، وكان السبب الأول والأهم للحذر ثم القلق السوري من الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي كان يريد ان يأخذ لبنان، حسب تعبير دمشق وحلفائها اللبنانيين في ذلك الوقت، في اتجاه معاكس وبعيد جداً عن وحدة المسار والمصير مع سوريا...

لكن فرصة نجاح مؤتمر نيويورك اليوم لن تزيد عن فرصة نجاح مؤتمر واشنطن الذي لا يذكره احد من اللبنانيين او من اصدقائهم الذين شاركوا فيه. الظروف اختلفت تماماً، لكن الشروط لا تزال على حالها، وهي لا تشكل ضمانة كافية بأن المجتمع الدولي والأشقاء العرب يعتبرون ان لبنان يحتاج وبإلحاح الى تغطية سياسية او اقتصادية جديدة لكي لا يقع فريسة الفوضى او الإفلاس.

الاتهام الذي وجه الى الحريري قبل تسعة اعوام كان ظالماً، لأنه كان يعتبر ان مؤتمر اصدقاء لبنان استكمال منطقي لتفاهم نيسان الذي توصل اليه لبنان وسوريا في ذلك العام مع العدو الاسرائيلي، وحماية اضافية للوضع الداخلي اللبناني الذي كاد يتفكك بشكل خطير... مع أن الهدفين لم يتحققا في حينه، ودفع ثمنهما الرئيس الراحل اكثر من غيره: لن تكون وظيفة مؤتمر نيويورك اليوم متابعة تنفيذ ما لم ينفذ من العام 1996، بل التركيز فقط على خطة الفصل بين لبنان وسوريا.

الهدف الأول نفسي، وهو الإيحاء لدمشق بأن للبنان اصدقاء اجانب وعرباً يهتمون بمستقبله، ويعملون لمنع تدهور اوضاعه السياسية والأمنية والاقتصادية، ويخططون لمواكبته في المرحلة الانتقالية الجديدة التي تلي حقبة الوصاية السورية، ولدفعه في اتجاه إصلاح نظمه ومؤسساته التي كانت السبب الأول لتداعي دولته وتفتت مجتمعه وتدخل سوريا في أدق تفاصيله الداخلية طوال السنوات الثلاثين الماضية.

بالطبع ثمة جدول اعمال للإصلاح السياسي والاقتصادي وضع في لبنان في الأشهر القليلة الماضية بدفع من المجتمع الدولي، وهو يبدأ بإعداد قانون جديد للانتخابات ولا ينتهي بخطط خدمة الدين العام. لكن اصدقاء لبنان القدامى الذين سيلتقون مجدداً اليوم في نيويورك لن يطلبوا سوى التزام جدي من الحكومة اللبنانية بذلك الجدول الذي يمكن ان يستغرق سنوات. المهم هو ألا يخطو اللبنانيون أي خطوة الى الوراء مهما كانت صغيرة، لا سيما خلال مرحلة البحث الدولي في مستقبل العلاقة مع سوريا ومصير العراق ومسار فلسطين... وإلا فإنه لن يكون للبنان أي صديق في العالم كله!

مصادر
السفير (لبنان)