كان صدور مشاريع ومراسيم الإستملاك مستنداً على دراسات تقتضيها النظرة الاستراتيجية للمستقبل ( كما هو مفروض ) تحت مسمى المصلحة العامة ، وكانت القيم التخمينية والتحكيمية شبه متوافقة نسبياً مع الأسعار الرائجة وقيم العملة في وقت صدور الاستملاك لبعض المناطق ومتدنية في مناطق أخرى ، كما لـُحظ حينها بعضاً من النواحي الإنسانية عند التأخير في تسديد قيم العقارات المستملكة وفقاً لاعتبار رئيسي ، أن الاستملاك – ورغم كونه للمصلحة العامة – يجب ألا يتسبب بالضرر للمواطن صاحب الملكية ، من هنا كانت الفوائد – التي بقيت ذات النسبة – التي تضاف إلى القيمة الأساسية بعد مرور فترة دون تسديد القيمة ، عدا عن التجاوز في النظر إلى مقدار المساحة المستملكة ضمن المدن ومقدار التأثير والضرر الاجتماعي والمادي الذي لحق بمالكيها وساكنيها ( في إحدى المدن الداخلية مثلاً : من مساحة 700 م2 لمنزل سكني على الطراز الشرقي العربي إلى شقتين سكنيتين تمليك بمساحة إجمالية 240 م2 ) .

في كلا الأحوال كان من المفروض إذن ، بل كان من المتوجب ، العمل بخطوات وإجراءات سريعة متلاحقة لتحقيق الغاية من الاستملاك ، بتسديد القيم المالية ( أو وضعها في الحساب المجمد ) وإخلاء العقارات واستلامها وتنفيذ المخططات الموضوعة وفقاً لبرامج زمنية محددة ، هذا ما يتعلق طبعاً ضمن المدن لا خارجها الذي يحمل شجون كثيرة .

نجد اليوم ، أنه قد مرّ حوالي نصف قرن من الزمن على مراسيم استملاك صدرت منذ ستينات القرن الماضي ، تم تنفيذ بعضها كاملاً رغم تغيير بعض أوجه المنفعة – والاستثمار - بعد الاستملاك ( من حدائق إلى مباني ، من حدائق إلى دور عبادة...) ، ونفـّذ بعضها ورقياً فقط ، أي بوضع إشارة الاستملاك على صحيفة العقار دون تسديد للقيمة ودون إخلاء للعقارات المستملكة ، وهات يا زمن ..... كما نفـّذ بعضها جزئياً بشكل شبه عشوائي تضمن تسديد القيم المالية للبعض (أو للكل) أو وضعها في الحساب المجمد ، وتسليم البعض منهم شقق سكنية بديلة دون استلام عقاراتهم المستملكة ودون هدم ، أو استلام البعض وترك الآخر ..... كما يتم تنفيذ – أو المحاولة – بعض الإستملاكات بسرعة السلحفاة وفقاً للمستجدات والتداخلات والأهواء دون أي اعتبار للموضوعية أو لمتغيرات الزمن .

تسببت الحقائق الثلاث الأخيرة بالضرر والأذى ، للمواطن أولاً وللدولة ثانياً ، والمواطن هو المتضرر الرئيسي في كلا الأمرين لأن عدم تنفيذ المشاريع المفترضة توافقاً مع الوقت والزمن المهدور أدى إلى ضياع وخسارة تنموية واقتصادية واجتماعية انعكست عليه سلباً بشكل مباشر ، وعلى المجموع ، إضافة إلى القيم المالية المفروضة سابقاً والتي لا تكفي صاحب العلاقة – المالك أو الشاغل – لاستئجار شقة لمدة أكثر من شهرين .

لدينا ، ضمن أغلب المدن السورية ، عدة مناطق سكنية وتجارية مأهولة ، مستملكة ومنذ أكثر من أربعين عاماً ولم يتم التنفيذ ، كما لدينا العديد من المخططات التنظيمية المصدقة التي تتنظر التنفيذ . وأغلبها ( المستملك والمصدق ) لم يعد متوافقاً وصالحاً مثلما كان عليه منذ عقود ( عقدين إلى أربع وأكثر ) حين إعدادها وتصديقها بعد المتغيرات والتوسعات الكثيرة في المدن والتبدلات في المناطق السكنية والكثافة البشرية والمرورية والاقتصادية ..... هذا عدا عن الخاضعة منها للتنظيم والتي يتم العمل بها بسرعة السلحفاة أو أكثر بقليل .

جميع ما ذكر تسبب بتقييد تصرف كثير من المواطنين بأملاكهم بيعاً أو تشييداً رغم ملكيتهم لها ...... تلك الملكية المصانة بموجب الدستور .

كيف للإداريين المحليين ، الجدد والسابقين ، المعينين بصفة مسؤولين عن مصلحة المواطن والوطن ، القبول بمرور الزمن دون مجاراة متطلبات هذا المرور توافقاً مع مصلحة المواطن ...؟ وكيف لهم الاستمرار بالتعامل بعقلية الستينات من القرن الماضي والإصرار على تنفيذ ما قد تكون جدواه الاقتصادية قد انتفت عما كانت عليه من أربعة عقود ونيف ...؟ وكيف للبعض منهم محاولة الكيل بمكيالين حسب الضرورات ( ؟ ) والتدخلات ...؟ وكيف لمن هو مطلوب منه المطابقة والموافقة ما بين مصلحة المواطن الآنية والمستقبلية من جهة والمصلحة العامة ( التي يفترض أن تصب في مصلحة المواطن ) ، الإصرار على القيم المالية التي كانت منذ أربعة عقود أو أقل ...؟ لمصلحة من هكذا تعامل ...؟ وكيف للمجالس المحلية التي تمثل المواطنين القبول بذلك ...؟

إن كانت المصلحة العامة تقتضي تنفيذ بعض الإستملاكات القديمة فأين هي حالياُ من الأولويات الاستراتيجية المستقبلية لمصلحة المدينة ...؟ وهل أن البحث عن مصادر وإيرادات مالية تتطلب النيل من المواطن والحصول على الأموال من جراء الفارق بين أسعار الإستملاك الموجودة منذ نصف قرن وأسعار قيم الأراضي الرائجة اليوم ...؟ وعلى حساب المواطن ...؟ ألأجل ذلك كانت مراسيم الإستملاك ...؟

لا نعتقد ذلك إطلاقاً ، كما لا نعتقد أنه يمكن القبول بوجهة النظر التي تؤكد على " الظروف الموضوعية والإمكانات المتاحة ..." إلى ما هنالك من حجج تصر على أن الزمن كفيل بحل كل شيء ( رغم أن الزمن نفسه قد أثبت بطلان هذه المقولة ) وأن الإداري هو من يرمي بالكرة على غيره حتى وإن كانت لتصحيح نتائج أعمال الإداري الذي كان قبله .

هل أن مفهوم التطوير والتحديث ، والإصلاح الإداري ، هو نفض الغبار كيفياً عن بعض الملفات وفقاً للتدخلات والمصالح ..؟ هل أن التركيز على مصلحة المواطن ( وهي جزء أساس في مصلحة الوطن ) يعني تنفيذ ما هو لم يعد يوافق المتغيرات والزمان ..؟ أو إهمال ضرورات إعادة دراسة ما كان مخطط له سابقاً وإجراء التعديلات اللازمة وفقاً للمستجدات في المصلحة المشتركة ..؟ وهل هو استمرار العيش بالماضي .. ؟

هل أن إعادة التقييم المالي لما كان مستملك منذ عقود عبارة عن تجاوز الخطوط الحمر....؟ أو أنها ضد مصلحة الوطن ..؟ ألا تتطابق كلياً مع مصلحة المواطن والوطن ...؟ هل أن المطالبة بإلغاء الإستملاكات القديمة التي لا جدوى اقتصادية لها تضر بمصلحة الوطن .. ؟ أم هي مصلحة من ...؟

لم الإصرار على الأساليب الإدارية التي كانت منذ نصف قرن ، من حيث إعادة تنظيم المناطق وتصديق مخططات بعد عرضها ، دون أية إمكانية جدية وعملية وفقاً لبرامج محددة بفترات زمنية واضحة ومعلومة ، لتنفيذها واقعياً ..؟ ما هي مصلحة المواطن في ذلك ..؟ هل أن التحسين والتطوير والتحديث يتطلب إهدار الزمن والجهد للكتابة والرسم والطبع على الورق واستلام الاعتراضات و... ثم ترك التنفيذ للزمن ....؟ أهكذا يكون الإنجاز أمام الجهات الأعلى أم أن المصيبة أعظم ..؟ لم تغيير الوجوه دون الخوض في الجوهر ...؟ وإلى متى ...؟

نعلم أنه يتم دراسة مشروع قانون جديد للإستملاك ، ونعلم كمّ المطالبات لإعادة النظر في الإستملاكات في بعض مناطق دمشق والذي مضى عليه أكثر من خمس وعشرون عاماً دون تنفيذ ، من حيث القيم الإستملاكية أو رفع الإستملاك .....

نعلم كذلك انتفاء الجدوى الاقتصادية للإستملاك حال عدم تنفيذه لمدة أكثر من أربعين عاماً ، ذلك لعدم الجديّـة ... كما نعلم أن مصلحة المواطن تتطلب الحصول على حقوقه كاملة غير منقوصة ، ودون غبن ، وتعويضه عما لحق به من أضرار نجمت عن فوات المنفعة من جراء التأخير في تنفيذ المخططات وتقييده عن التصرف . نعتقد جازمين ، ويوافقنا الرأي الكثيرين ، أن ما هو مطلوب عمله ، ما يلي :

أولاً : إعادة الدراسة واتخاذ القرارات الصحيحة والجريئة بإلغاء جميع الإستملاكات أو المخططات التنظيمية المصدقة التي لا مجال لتنفيذها .

ثانياً : إعادة التقييم المالي للإستملاكات التي لم يتم تطبيقها وحتى لو وضعت قيمها المالية في الحسابات المجمدة ، وبالسعر الحقيقي الرائج مع تعويض عن فوات المنفعة وتقييد التصرف .

ثالثاً : تعويض المالكين والشاغلين عند صدور الإستملاكات الجديدة تعويضاً منطقياً عادلاً بحيث يحصلون على القيم المادية الحقيقية والواقعية بالسعر الرائج إضافة إلى التعويض عن الإخلاء وفوات المنفعة ، وذلك ضمن مدة زمنية محددة بحيث لا تزيد عن السنة الواحدة فقط من تاريخ صدور قانون الاستملاك .

رابعاً : مطالبة الإدارات التنفيذية المحلية بوضع برامج زمنية ضمن خططها السنوية لتنفيذ الإستملاكات والمخططات التنظيمية المصدقة وتحديد الكتل المالية اللازمة لتنفيذها وفقاً لبرامج التنفيذ ، وإجراء عمليات التقييم عن الأداء بصورة سنوية وبشكل عملي وواقعي وفقاً لنسب الإنجاز الفعلي مقارنة بالمخطط له سنوياً ، ومحاسبة المقصرين .

خامساً : تجاوز أرقام ونسب الإنجاز السنوية ، المدونة ورقياً ، والتأكد منها واقعياً ومدى أهميتها الاجتماعية والاقتصادية وتأثيرها على مصلحة المدينة والمواطن ، ومقارنتها بنسب غيرها من المشاريع التي قد لا تكون بذات الجدوى ....

سادساً : الأهم ، تطبيق مبدأ الحساب للمخطئ والمسيء دون وضع العلاقات والتداخلات أساساً للحساب .

نسأل هنا أخيراً ، ماذا لو كان البعض من المسؤولين – عامة – متضرراً أو قيد التضرر من" مشروع استملاك " ؟