عملية <<الأيدي النظيفة>>، مَن يتذكرها؟ تلك العاصفة التي ضربت إيطاليا في التسعينيات فأحدثت فيها، في حياتها السياسية، دماراً أين منه دمار كاترينا في لويزيانا، علماً بأن الدمار الأول لم يكن شراً على الإطلاق.

كانت البداية، حوالى 1992، خادعة. قصة فساد من هنا. قصة فساد من هناك. ثم بدأت الستارة ترتفع تدريجياً عن منظر مروّع. سياسي متورّط. نائب. وزير. زعيم حزب. رئيس حكومة. مسؤولون كبار في الدولة. حضرت المافيا. طال الرذاذ الفاتيكان نفسه. سقط رأس. تدحرجت رؤوس. دخلت المحاكمات في سيل لا ينتهي من الدعاوى. حصل تجريم وحصلت تبرئة. تعرضت أحزاب بكاملها لإعادة نظر شاملة في هيكليتها القيادية، سواء في المراتب العليا أو الوسطى. لا بل ثمة أحزاب اختفت. انهارت قوى سياسية عريقة يستحيل كتابة التاريخ الإيطالي الحديث من دونها. تشظت. اضمحلّت. تغيّرت وجوه. قامات مديدة سُجنت أو فرّت. انتحر البعض في السجون. صال القضاة وجالوا. قيل إنهم فرسان العصر الجديد. تعرّضوا لحملات عنيفة كما تجنّدت وسائل إعلام عديدة لحمايتهم. اتُّهموا بالانحياز والكيدية. تفوّق سيلفيو بيرلوسكوني على ما يُعرف عنه من ديماغوجية وهو يحاول تشويه صورة <<القاضي النزيه>>. تصدى أنطونيو دي بييترو مع رفاقه لعتاة الفاسدين. حقق إنجازات كثيرة وارتكب أخطاء. كان داخل الدوامة وجزءاً منها. وفي النهاية كانت إيطاليا الخارجة من العاصفة غيرها قبل دخولها ولو أن المهمة لم تنتهِ بعد.

ملاحظات كثيرة قيلت في <<الأيدي النظيفة>>. هذه بعضها:

أولاً كانت الأحزاب الحاكمة هي الأكثر تعرضاً للمساءلة. هذا طبيعي. ولحق <<الأذى>> الأكبر بالحزب الديموقراطي المسيحي الذي كان على امتداد عقود العمودَ الفقري للائتلافات التي هيمنت على إيطاليا غير المستقرة (معدل حكومة كل سنة). كذلك طالت الحملة الحزب الاشتراكي الذي وفّر، في المرحلة الأخيرة، سنداً للسلطة، ونجح، في غفلة من الزمن، بدفع زعيمه بتينو كراكسي إلى ترؤس الحكومة.ثانياً إذا كان توقيت الحملة كشف عن اهتراء سابق في القضاء وعن تواطؤ، فإن نوعاً من الإجماع حصل على تحديد السبب السياسي الذي جعل الطبقة الحاكمة تصل إلى هذا الحد من الفساد الفاجر. إن السبب هو النظام الانتخابي المولّد لقدْر من عدم الاستقرار، والقادر على تشكيل حماية للقيادات الحزبية. إنها هي مَن يختار المرشحين، ومَن يساوم، ويعقد الصفقات، وينظّم قدرة التهرّب من المحاسبة الإفرادية. إن حفنة من <<عرّابي>> السياسة تولت تعميم الفساد وبناء الهرم الذي وقفت على رأسه قبل أن يتداعى.

ثالثاً امتدت العدوى الإيطالية، بشكل مخفف، إلى دول الجوار. إلا أن الحملات هناك لم تكن محصورة في بيئة معينة. فهذه البلدان شهدت تناوباً على السلطة، وشهدت خصخصة متسارعة، وشهدت (فرنسا مثلاً) توسعاً في اللامركزية أدى إلى بروز مسؤوليات محلية مع قسطها من الفساد. تداخلت في بعض البلدان قضايا الإثراء الشخصي مع قضايا التمويل غير الشرعي للأحزاب، ما اضطر حكومات إلى إصدار قوانين خاصة. غير أن النتيجة الأبرز لهذا الامتداد هي ظهور نوع من صراع جديد بين السلطة السياسية المنتخَبة والسلطة القضائية غير المنتخَبة. قيل، في ذلك الوقت، إن الديموقراطية معرّضة للخطر لأنها معرّضة للسقوط تحت ما أسمي <<حكم القضاة>>، أي حكم سلطة غير منتخَبة (متحالفة مع سلطة إعلامية غير منتخَبة هي الأخرى) تريد الثأر من السلطة المعبّرة عن إرادة المواطنين واقتراعهم الحر. رابعاً قد يكون أهم ما قيل في شأن الحملة الإيطالية، هو أنها لم تكن ممكنة لولا انتهاء <<الحرب الباردة>>. فإيطاليا بلد أطلسي وذو موقع حساس. وازداد حساسية من وجود حزب شيوعي قوي جداً، ونافذ، ووارث لمقاومة الفاشية، ومنغرس في الأوساط الشعبية والثقافية. لقد كان واضحاً، على الدوام، أن الحزب المشار إليه يشكل تهديداً جدياً للديموقراطية المسيحية الموالية للأميركيين. وليس سراً أن الولايات المتحدة، في أيام هنري كيسنجر في السبعينيات، واجهت احتمال اللجوء إلى انقلاب عسكري لمنع وصول الشيوعيين إلى الحكومة. ومع أن أنريكو برلينغوير قاد تحولاً تاريخياً في الحزب، وبات موافقاً بحماسة على بقاء عضوية بلاده في حلف شمالي الأطلسي، فإن واشنطن بقيت رافضة بقوة لمشروع <<التسوية التاريخية>>، أي لحكم إيطاليا وتأمين الاستقرار لها من جانب تحالف مسيحي شيوعي. ثم جاء اغتيال الدو مورو ليطيح الفكرة ويريح مَن يبحث عن الراحة. يفيد ما تقدم في إيضاح أن وجود طبقة سياسية حاكمة محددة كان ضرورة استراتيجية لا تعلو فوقها ضرورة. ولكن، بعدما انقلب العالم عند منعطف الثمانينيات التسعينيات، باتت هذه الطبقة الفاقدة لوظيفتها في العراء. لم يعد ثمة خوف جدي من تصدعها واختفائها فتصدعت واختفت. وهكذا أمكن لعملية <<الأيدي النظيفة>> أن تنطلق وأن تنجح طالما أن آثارها محدودة في ما يخص التوازنات فوق المسرح الأوروبي وفي العالم.

والآن من إيطاليا إلى لبنان، ومن أنطونيو دي بييترو إلى ديتليف ميليس.

حسناً فعل ميليس عندما أقدم بلسان <<مصدر في لجنة التحقيق الدولية>> على إعادة <<تأطير>> المهمة وتعريفها. كان اللبنانيون، بعضهم على الأقل، في حاجة ماسة إلى ذلك. ثمة التباسات رافقت عمل اللجنة. إلا أن الأمانة تقضي القول إن هذه الالتباسات مسؤولية اللبنانيين بالدرجة الأولى أكثر مما هي مسؤولية اللجنة. بكلام أكثر دقة، يجدر القول إن هذه الالتباسات مسؤولية <<ميليسيين>> لبنانيين يُسقطون على الرجل ما لم يدّعه (حتى الآن على الأقل).

إذا كان من استدراك هنا فهو أن التعاطي مع عمل اللجنة دقيق للغاية. إن موضوعها يفوق بعشرات المرات أهمية المواضيع التي سبق للمحقق الألماني أن عمل عليها وحقق نجاحات متفاوتة. فالجريمة كبيرة أولاً، وكانت لها آثار سياسية هائلة ثانياً، وثمة مصائر مرتبطة بطبيعة <<الحقيقة>> ثالثاً.

قد يكون مستحيلاً الطلب إلى اللبنانيين عدم <<تسييس>> الموضوع. إن هذا ما يفعلونه في كل لحظة. وقد حصلوا على إجازة بذلك (هم وغيرهم) من ميليس نفسه الذي نفى الطابع السياسي لمهمته من دون إنكار احتمال <<التسييس>> من جانب آخرين.

إن في لبنان مَن يحلم بتكرار مشوّه ل<<الأيدي النظيفة>>. أي مَن يحلم بأن يؤدي القضاء إلى استئصال الخصوم السياسيين. لقد حاول الرئيس إميل لحود في بداية العهد أن يقدم على ذلك فانتهى الأمر بالنهاية التي نعرفها. وهناك مَن يريد تكرار التجربة اليوم بالاتجاه المعاكس وإنما بالأواليات نفسها، أو على الأقل هذا ما يصادفه المرء في كل حديث مع بعض مدّعي البحث عن <<الحقيقة>>. يبدو هؤلاء مهتمين بالأثر أكثر من اهتمامهم بالعدالة، وهي، في هذه الحالة، العدالة المرتبطة بمعاقبة المسؤولين عن جريمة اغتيال. لا تتردد هذه الفئة في التعاطي مع لجنة التحقيق، ذات المهمة المحددة، كأنها الأداة التي يُفترض فيها تنفيذ برنامجها. تريد من ميليس أن ينسخ حرفياً ممارسات مدّع عام تمييزي سابق وذلك في انتظار استكمال وضع اليد على القضاء من أجل البدء بمطاردة الساحرات، أي بمطاردة كل مخالف سياسي.

ثمة ردود فعل كاشفة. فعندما يقال إن المستحسن التعرّف أكثر إلى ميليس وفريقه يكون الرد: هذا تشكيك. وعندما تُستحضر أمثلة عن انحياز فرق دولية تُستحضر، فوراً، أمثلة معاكسة من دون التنبّه إلى أن القصد هو القول إننا أمام احتمالات مفتوحة وإنه من الأفضل الإبقاء على الوعي النقدي. بكلام آخر، ثمة محاولة واضحة لشل أي سلوك عقلاني وبارد، وهي محاولة يمكن اعتبارها، بلا مبالغة، الأكثر وطأة في مجال <<تسييس>> عمل لجنة التحقيق. بهذا المعنى، حسناً فعل ميليس. لقد رد على هذه الفئة. رد على هؤلاء الذين انتقلوا من الاشتباه إلى الاتهام إلى المحاكمة إلى الإدانة، إلى إصدار الأحكام، وهم يزعقون بأن كل مَن يريد البقاء عند الاشتباه، مع قرينة البراءة، إنما هدفه <<التسييس>>. إن تعبير <<المشتبه فيهم>> يكاد يكون غائباً لصالح <<المتورطين>>، و<<المرتكبين>>، و<<المتآمرين>>. والمزاج السائد هو الذي يخلط بين <<الحدس الشعبي>>، وهو سياسي، وبين نتائج التحقيق القضائي. إن جملة منسوبة إلى <<مصدر في لجنة التحقيق الدولية (ميليس؟)>> هي، بالضبط، الجملة التي يتم تناسيها: <<لسنا الجهة التي ستقول هذه هي الحقيقة>>. أي أن الفصل قائم بين <<لجنة التحقيق>> و<<الحقيقة>>. للأولى حق الشبهة، وربما الاتهام المسند إلى وقائع، لكن للمحكمة حق النطق باسم <<الحقيقة>>. ويعني ذلك أن كل مَن يطالب اللجنة بقول <<الحقيقة>> إنما يحمّلها فوق طاقتها وينسب إليها مهمة ليست لها. قد يكون في ذلك ضعف في الثقافة الحقوقية. لكنّ فيه أيضاً، قدْراً من <<التسييس>>، إلا أنه قدْر لا علاقة للجنة به لأنه من فعل غيرها.

في انتظار أن نعرف إذا كنا سنواجه مشكلة مع ميليس أو لا، فإن المشكلة الواقعة حالياً هي مع غلاة <<الميليسيين>> الذين يخلطون بين العدالة والثأر السياسي.

مصادر
السفير (لبنان)