في هذا البحث اليوم أتوجه للمثقفين العرب من بني جلدتي دون الأكراد، وهو بمثابة دعوة قديمة متجددة للتفكير قبل التصرف، دعوة لتقديم العقل على العاطفة والنقل أو التقليد. واعتقادا مني أنك حينما تنصف الآخرين لا يعني أنك صاحب مأثرة تشكر عليها. وإن تعترف بواقع راهن لا يعني أنك تنازلت لأحد عن حقوقك، وأن تتستر على الآلام وتصبر لا يعني أنك سليم من الأمراض. وإن كان الأكراد رقما زائدا في معادلة الشرق فهل يمكن طرحه كي تتوازن المعادلة ويستقيم الخلل؟

تكريد العربي:

من خلال هذا التقديم لا أريد له أن يظهر كما لو كنت متحيزا لجانب الأكراد الذين لا يربطني بهم سوى الانتماء لنفس المجموعة التي يصطلح على تسميتها "بشر" ويفترض أن عضويتها ليس حكرا على مجموعة أثنية أو قومية أو دينية بعينها دون غيرها. وكتوضيح مسبق لموقفي أعود لأواسط ثمانينات القرن الفائت حين وضعت مؤلفا عن المعضل الكردي بمفهوميه الوطني والأثني وأبعاده الإنسانية معتمدا على مقدمات ونتائج بحث أشهر من تناول هذا الجانب أمثال هسرتيان وباسيل نيكيتين وجليلي جليل وبعض أهل مكة كمحمد أمين زكي وعبد الرحمن قاسملو وجلال الطالباني وغيرهم ، فخلصت لنتيجة لم أكن السباق إليها، بل جاءت بمثابة إقرار لما وثقه كبار البحاثة، ألا وهي أن الأكراد كأمة قائمة بذاتها تتمتع بكل المواصفات والميزات المستقلة من عددية وجغرافية وتاريخية وثقافية لتشكل كيانها القومي في حيزه الزماني والمكاني ليساهم بقسطه في إغناء الحضارة البشرية بما يتوجب على كل مجتمع أن يعطيه لقاء عضويته المجموعة البشرية، واعتبرت حينذاك إعاقة الأمة الكردية من تقديم حصتها جريرة يتحمل وزرها واضع هذه العوائق ومبررات التأجيل مهما كانت المبررات. وركزت حينها على التكامل والتقاطعات والامتدادات والتداخلات بين مكونات الشرق من آشورية وكلدانية وفارسية وعربية وتركية وغيرها، إلا أن ردود الفعل المعاكسة لم تدحض رؤيتي أو تكذبها، إنما اكتفت بتصنيف واضعها على أنه كردي فحسب. ولسنا معنيين الآن بالعودة لكزينفون وميديا القديمة، بل نستطلع واقع حالة راهنة أو ظاهرة نوقشت في حيزها الزماني والمكاني وما يتعلق بها كالعادات والتقاليد واللغة وخصوصيات تاريخية وأرشيلوجية لا يجهلها متابع. هذا ونحن على يقين ألا تعدم الحسناء ذاما عروبيا، فمن يترحم على ضحايا الهولوكوست النازية يصنف إما ماسونيا أو عميل للصهيونية، ويكون المدافع عن ضحايا يوسف ستالين ظلاميا وعدو للتقدم والاشتراكية، ومن ينتصر للآشوريين والسريان والمسيحيين في الشام بمثابة قلم مأجور أو متنصر مقابل منافع مادية ويختم عليه بالشمع الأحمر، أما أن تساند شعبا لا يملك سلطة ولا مال ولا جاه وينتمي لدين الأغلبية في المنطقة، أي الأكراد، فماذا يقال عنك إن كنت عربي اليد واللسان..! بلا شك كردي القلب والهوى..!

وقبل إعادة تنسيق ونشر بعض ما كتبت في هذا الصدد أود التنويه تفاديا لتكرار تهمة قديمة تتجدد، وباعتباري سوري الجنسية، عربي القومية، وانتمي لأسرة تدين بالإسلام من أهل السنة والجماعة لا أرى حرجا أو عائقا يمنعني من الاعتزاز بكل ما يميزني سواء نلته بحكم الولادة أو الوراثة أو المصادفة من مواصفات غير إرادية. ورغم تجذر "الأنا" بكل منا ككل البشر، ليس لي أن اقطع لسان من يشكك بسحنة عروبتي المتعثرة، ولا أكفّر أو أخوّن من يحاول تمثيل دور الله على قناعاتي العقيدية والذهنية ويغرس عوضا عنها قسرا منجزاته النظرية الوضعية وحركاته من تصحيحية وتجديدية ناهيك عن أولئك الذين نصبوا من أنفسهم وكلاء الله واعوانه زمفوضيه على الأرض يقتلوننا باسمه (جلّ وعلا)، هذا مع إدراكي وقناعتي المسبقة أن ما يميزني عن أقراني هو تميزي كفرد بما أقدمه للآخرين ويجسد مدى صلاحيتي كمواطن وإنسان له حقوق وعليه واجبات.

هل الأكراد شر لابد منه؟

لو قبلنا جدلا مقولات المنظرين العروبيين على علاتها معتبرين الأكراد خنجرا في خاصرة الأمة العربية وأحد أهم عوامل تمزيقها وتفتيت وحدتها، وقبل البحث عن سبل مكافحة الأفعى الكردية تحت التبن أو التخلص منهم وحذف وجودهم سواء بإغراقهم في دجلة والفرات أو صهرهم في البوتقة العربية ومحو آثارهم، لكن قبل هذا لابد من وقفة منصفة أمام حقائق المنطق والتاريخ والجغرافيا ولا ضير أن نقرأها بصوت عال.

إن اعتبرنا "الأنا" البشرية متجذرة في كل منا وتتلاشى حدودها حين تتقاطع مع الـ"هو" وهذا ما يميزنا عن بقية الكائنات الحية والدواب التي تخضع لغريزيتها في معظم الأحوال. وهذا التميز يصقل بالتربية والثقافة وتلمس الوسط المحيط، فيحس المرء أنه ليس وحيدا على الأرض وليس سيدا على الكون، وهكذا تترسخ قناعة لدى الفرد مفادها أن المواصفات الموروثة لا تجعله مميزا عن سواه من البشر مم يحملون سحنة وعقيدة وتفكيرا ولغة ووعيا مختلفا. في سعي كل منا للحفاظ على ميزاته الآنفة الذكر التي تسم أصالة انتمائه لا ينفي من يختلف عنه ليبرر وجوده كصراع على البقاء بجريرة أنه "مختلف" أو ليس نسخة طبق الأصل عنه. حتى لو لم يكن في سوريا مثلا سوى أحفاد عدنان وغسان وقحطان و... لا يوجد ما يبرر نفي حق الأمازيغي أو الكردي بإثبات وجوده ومنعه من تقديم واجباته نحو البشرية وقسطه في صناعة الحضارة الإنسانية، وأثبات الوجود والفعالية لا يمكن أن يكون عبر نفي وجود الآخرين. وما التشكيك بطهارة ذيل الأقليات غير المسلمة والانتقاص من وطنيتها سوى افتعال الخلاف مع الآخرين مهما كانت الأسباب والوسائل، لأن الآخر سواء كان كرديا أو آشوريا وسواه سيصمت خوفا من التنكيل وإلا فسيرد بالمثل فيما لو كان تعاملنا بشريا حرا متساويا، وليس امتشاق الأسنة للإحتراب، مع إقرار الجميع عدم إمكانية ترسيخ حل سلمي دائم بوسائل قمعية عنفية مستمرة، إذ لا يذكر التاريخ أن شعبا تمت إزالته من الخارطة الديموغرافية بهذه البساطة. على الأقل حسب معلوماتي المتواضعة لا أعتقد أن دينا تمت إزالته من الأذهان بتكفير أتباعه أو معاداتهم والتشنيع بهم بغية جرهم للانضمام لفئة تعتبر نفسها الفرقة الناجية. ولم يفن شعب من الشعوب على يد الند مهما صغر أو كبر، ولابد أن يكون للجميع متسعا على الأرض ولولا ذلك لقامت قوة سماوية بالقضاء على الفائض من الشعوب والأقوام وأتباع الأديان الزائدة أو اصطفاء طبيعي أو أي شيء آخر مفاده حذف الزائد من الوجود، لكنه ما تم يوما من الأيام بفعل الخصم.

حقيقة الوجود الكردي في سوريا:

لا يجهل متعلم أن أكراد سوريا هم شعب أصيل وليس دخيل وجد في المنطقة منذ أقدم العصور. ولا تنكر عوامل الهجرة من كافة الأقوام التي غيرت الوجه الديموغرافي للمنطقة وذلك منذ بدايات الحضور الإسلامي وكان في أوجه خلال القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي، وذلك لا يعني ولا بشكل من الأشكال أن أكراد سورية أقوام مهاجرة، أو أنهم شعب طارئ. فمنطقة الجزيرة السورية غالبية من يقطنها كردي اليد واللسان، وتعد ّ امتداداً جغرافياً لمنطقة كردستان في ظل الخلافة العثمانية. وقد لا يختلف اثنان أنه تم توزيعها وفقا لحصص صُنعت على طاولات المفاوضات في خضم تشكل الدول الناشئة من جسم (الرجل المريض) إبان الحرب العالمية الأولى. نزحت بعض الجماعات الكردية إلى داخل سورية بعد قيام الحكم الوطني فيها وانصهرت بأشكال متفاوتة بالقوام السكاني المحلي. في الحقيقة الإحصاءات العامة في سوريا شكلية، لذا يقدر عدد المواطنين الأكراد بـ 1.5-2 مليون، أو ما نسبته أكثر من 10 في المائة من مجموع سكان سورية البالغ 18 مليوناً. وفي سوريا أقل التجمعات الكردية قياسا على الدول الأخرى المتقاسمة لكردستان .. من أعلام أكراد سورية في العصر الحديث: المؤرخ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، المحارب الوطني المعروف إبراهيم هنانو(1869 - 1935م)، الرئيس السوري الأسبق حسني الزعيم، رئيس الوزراء السابق محسن البرازي، رئيس الوزراء السابق عبد الرحمن الأيوبي، ، وشخصيات أخرى عديدة لا يتسع الآن المجال لذكرها. عُرف الأكراد منذ القدم بشدة البأس والإخلاص المتناهي وطنيا ودينيا وفي كافة الولاءات. لم يفلح الاحتلال الفرنسي لسورية للإيقاع بين الأكراد والعرب والأقليات الدينية والقومية الأخرى، بل لاقى مواجهة عنيفة من الجميع، وكما كان قائد ثورة الشمال السوري زعيما للكرد والعرب آنذاك، نجد أن دورالأكراد السياسي في المرحلة التي تلت الاستقلال لم يكن منفصلا عن بقية المواطنين السوريين، لكن بعد ظهور الأحزاب العقائدية والأيديولوجية كالقوموية والإسلاموية والماركسية وغيرها، واسقاطاتها الاجتماعية ظهرت ضرورة اتخاذ معايير جديدة، أضف إلى ذلك الآثار المنعكسة عن تيارات أخرى موازية لدى الأكراد والشعوب المتعايشة معهم في الأجزاء الأخرى لكردستان. وقد لعبت الحركة الماركسية دورا تخديريا مثبطا في الوسط السياسي الكردي، ورغم التسلط القوموي العربي البيّن تمكن الأكراد من تأسيس أحزابهم السياسية وأودع كثير من مناضليهم السجون. ومذّاك تلبدت سماء سوريا وطغت نغمة نشاز واحدة على الجميع، وكأن ساعة الزمن متوقفة إذ لم يتغير شيء في سوريا خلال نصف قرن مضى. وكان المد والجزر الذي طبق على الحياة السياسية السورية عموما والكردية خصوصا تحت منظار ورقابة دكتاتورية البعث الصارمة فكان طفيفا في ظاهره، لكنه انتج احتقانا وتقوقعا لدى كافة مكونات المجتمع السوري والتي لابد وأن ينفجر يوما ما ويتحمل جلّ وزه البعث ومحيطه من الأحزاب والتشكيلات التي صنعها لتصفق مصورة السقطات مآثرا جليلة. إبان التقسيم الجيوسياسي في مطلع القرن الفائت، رأت النور العديد من الدول الحديثة، التي قوامها الشعوب المتعايشة على هذه البقعة من الأرض أو تلك. وكان نصيب الجمهورية السورية خليطا قوميا قوامه العرب والأكراد والآشوريين والتركمان وغيرهم. من الواضح أن عدد من يعتبرون أنفسهم عربا سوريين يفوق الأثنيات الأخرى. فهل نصف سوريا بالعربية رغما عن كردية أو آشورية الآخرين؟ الإجابة بمنطق الحياد تقتضي النفي. إذن نعكس السؤال وبذات التسلسل المنطقي: هل يصح تسمية الأقاليم التي يقطنها الأكراد كأثرية وأقليات عرقية بكردستان؟ تأتي الإجابة المقتضبة فيما إن كنا لا نكيل بمكيالين يفترض التعامل بالمثل. فما هو منطق كردستانية كردستان يا ترى، وهل يحمل في طياته عنصرية أو عدوانية مضمرة موجهة للأقليات المنتشرة في هذه القيعان؟ وهل تنفي كردستانية كردستان حقوق الأقليات فيها؟

محاكمة عقلية للوجود الكردي:

ونحن في هذا الصدد لن نتخذ من منطق سعودية الحجاز وعسير نسبة لحكامها أو هاشمية الأردن أو أموية أو عباسية أو عثمانية كل المنطقة التي حكموها آنذاك، بل نرى أن تزوير الجغرافية والتاريخ واصطناع أو نحت التسميات لا يغير من واقع الحال بشيء. فجبل الدروز أو جبال العلويين حينما نغير مسماها لن يجعل منهم أكرادا.. وبذات القدر لا نعتقد أن "كرداغي" أو جبل العلويين يبدل لون صخوره أو لغة سكانه من خلال ترجمة المسمى أو تعريبه أو تتريكه. وهل غيّر من طبيعة وطقس سوريا نعتها "بعرين الأسد"، وهل هي صامدة ببعثها لمجرد تسميتها ببلد صمود الأسد، وهل الشوارع والساحات والبحيرات التي حملت اسم "أسد" غيرت من طبيعتها أو مواصفاتها؟ أغلبنا سيجيب بالنفي، إذن ليس مهمة الإدارة السياسية تحوير أو تعديل الجغرافية والتاريخ، بل عليها أن توفر العيش الكريم والشريف من خلال تكافؤ الفرص والمساواة بالحقوق والواجبات لكافة المواطنين دون تمييز ودون التدخل بمواصفاتهم الذاتية.

ينتشر المواطنون الأكراد السوريون اليوم في تجمعات متفرقة شمال سورية وفي بعض المدن السورية الداخلية مثل دمشق وحماة. وقد رصد العلامة محمد أمين زكي بعض تنقلات الأكراد التي اتسمت بالمد والجذر وفقا للظروف المعيشية والسياسية التي مرت بها المنطقة. ونتيجة لتعاقب عدد من الأمراء الأيوبيين على حكم مدينة حماة استوطنتها عشائر أيوبية وبوظو وكوجان والزعيم وغيرها. وحملت المدينة لقب الأمير الكردي أبي الفداء الذي توفي سنة 732هـ. ويشار إلى أن آخر هجرة كردية إلى مدينة حماة مثلا كانت منذ 250 سنة، في عهد حاكمها الكردي آنذاك إسماعيل مللي (نسبة لأكبر عشائر الأكراد المللية المنتشرة في شرق رأس العين وفي المدن الكبرى دمشق وحماة والرقة، والتحقت بهذا الحاكم آنذاك عشائر البرازي ومراد. واليوم لا يكاد يتكلم الكردية في حماة سوى القلة من الشيوخ، وأكراد دمشق أيضا لا يشذون عن هذه القاعدة البشرية فانصهروا بالمجتمع الدمشقي، ومثلهم أكراد شمال محافظة اللاذقية وشمال إدلب المنتشرون في العديد من الأقضية. بينما شمالي محافظة حلب منطقة جبل الأكراد ومركزه عفرين قد لا يختلفون عن أكراد الجزيرة بشيء، يتمسكون بكامل كرديتهم وذلك رغم الإجراءات الاسثنائية وبرامج صهر مختلفة مثل الإحصاء الاستثنائي، "مشروع الضابط محمد طلب هلال – سيئ الصيت" والحزام العربي والمستوطنات العربية بعد غمر سد الفرات لأراضيهم.

مطالب أكراد سوريا اليوم

رغم التلاوين والتباينات بين الأحزاب الكردية لكنها تكاد تجمع اليوم على أجندة عامة مشتركة. لعل أهم مطالب أكراد سوريا اليوم لا تختلف عن مطالب عموم السوريين مثل الإصلاحات السياسية والاقتصادية، إشاعة الحريات العامة، إلغاء قوانين الطوارئ، والاعتراف بالوجود الكردي في سوريا، ورفع كل الإجراءات الاستثنائية المتخذة بحق الشعب الكردي، نبذ العنف والاعتراف بالآخر، ولا يستبقون الأحداث فتجدهم ينادون بالتعايش ضمن الوطن السوري ولا ينحون حاليا للانفصال وإقامة دولتهم المستقلة على أرضهم! ...

وفي هذه العجالة لابد من التنويه أن التلاحم القسري بين فئات قومية متباينة لن يفضي إلى تلاحم وطني حقيقي ما لم يتمكن كل أتنوس من التعبير عن ذاته وفقا للأعراف والثوابت الدولية ولن يؤدي التسلق على ظهر الآخر وطنا موحدا يتساوى فيه الجميع. وهناك حقائق موضوعية بسيطة ومناقشتها بمنطق عقلي دون الغوص في أعماق التاريخ دون البحث في أصول ميديا وآشورية حمورابي أو سارغون. ولندع كزينفون على الرف ونقول ببساطة واقتضاب وبلسان عربي فصيح ولو بح صوتنا من الهتاف: الموت للأكراد والحياة للعروبة شامخة لا راضخة..! والمنطق يقول بحقيقة أن الأكراد أكرادا وكردستان كردية، ومن يرفض أن يفهم هذه البدهية اليوم قد يصعب عليه استيعابها غدا.

مصادر
مرآة سوريا (سوريا)