لن يمضي وقت طويل حتى يبدأ سيل التقارير الإعلامية بالحديث عما قام به ميلس في سورية، فالحرب الافتراضية تشكل جبهة أساسية في الترتيبات السياسية الجارية اليوم. لكن المذهل داخل هذه الحرب هي طبيعة الخطاب السوري المنتقل على أطراف حادة من تبيان الحقائق أو الحديث عن النظام السياسي. ويبدو من المفارقات أن نجد الخطاب المعارض والرسمي وكأنهما يشكلان تماثلا تجاه الحدث، أو حتى فشلا في رسم رؤية وسط الصخب الإعلامي.

الخطاب السوري لا يحتاج لإظهار الحقائق لأن السياسة الأمريكية بالذات ليست معنية بسوية منطقية في رسم السيناريو القادم للشرق الأوسط الكبير. فمسألتها اليوم تشكل عالما غير محدود بجغرافية شرق أوسطية، واختلاق الأزمة جزء من استراتيجية باتت واضحة منذ "أزمة أسلحة الدمار الشامل" في العراق. والخطاب السوري الذي يحاول إظهار الفوضى البناءة يغرق في إثبات ما هو قائم بالفعل، ومستوعب من قبل الاستراتيجية الأمريكية على وجه التحديد في حربها ضد الإرهاب. والخطاب السوري الرسمي والمعارض ليس محتاجا للتأكيد على طبيعة المخاطر لأن طلب تلمسها بات نوعا من التاريخ.

الخطاب السوري ليس محتاجا لاقناع الآخرين بالتضليل والتكذيب، وليس محتاجا لأن يكرر ضرورة المصالحة الوطنية ... فقضيته بالدرجة الأولى داخلية في استيعاب ذاته بالدرجة الأولى وما يريده للمستقبل، وفي معرفة موقعه من الخارطة الاجتماعية بالدرجة الأولى.

عندما نتذكر الخطاب السوري فإننا نبحث في كم الهجوم عليه، أو في حجم الدفاع عن السياسة السورية. لأن الحرب الافتراضية اليوم ليست في القدرة على كشف الحقائق بل في توظيف الحقائق ضمن آليات عامة، اجتماعية وثقافية ... فلا حاجة لـ"نصرة العراق" أن ننادي "وامعتصماه" لأن صورة المعتصم نسفتها الذاكرة البديلة، واصبحت بكاء على الأطلال ... ولا حاجة للحديث عن أولوية معيشة المواطن لأن المواطن بحاجة لمعرفة استحقاقات الإصلاح بدلا من انتظار نعيمه ... ولا حاجة لوعود الديمقراطية لأن هذه الحقيقة تحتاج لتفعيل اجتماعي بدلا من تركها لازمة لخطاب معارض أو محايد أو رسمي ...

بداية جولة ميلس لا تعني الكثير إذا استطعنا اقناع أنفسنا بأننا نحتاج لرؤية الاستحقاق كما هي لا كما يسير عليه التحقيق!!!