مع تواصل تهديدات واتهامات صقور الإدارة الاميركية لسوريا، لم تهدأ حملة الضخ الاعلامي التي تكثفت مؤخراً على دمشق وبمرامٍ مركبة من التشويش والتشفي، او الاثارة والافتراء، وحتى الاهتمام بعضه غير بريء.

لماذا هذا التناغم والانسجام بين الضغوط الأميركية والهجوم الاعلامي على سوريا؟ ومن أسف ان بعض وسائله عربية وهل هو محض صدفة؟ في ضوء مستجدات المشهد السياسي الإقليمي والعالمي تتوضح حيثيات ومعطيات عدة:

-الوضع في العراق الى تفاقم ونسبة المعارضين الأميركيين لسياسة واشنطن هناك الى ارتفاع ل59 بالمئة، وسط المطالبة بتحديد جدول زمني لسحب القوات الاميركية وهذا ما رفضه الرئيس بوش امام رئيس وزراء العراق.

-وعلى طريقة الهروب الى الامام، تسعى واشنطن الى خلق بؤر توتر جديدة في المنطقة لعلها تخفف من إخفاقها في العراق وهي تكيل التهم في كل اتجاه مع ان اسطوانة مسؤولية سوريا في ضبط حدودها مع العراق كسرها قائد القوات الاميركية هناك ووافقه مسؤولون عراقيون على ان لا تسلل من سوريا وإن يتهمها بعضهم زوراً. وعقب ضبط سوريا حالات تسلل واعتقالها 1200 شخص، شاهد دبلوماسيون وصحفيون عرب وأجانب على الارض آلية هذا الضبط.

-بدخول إسرائيل على الخط وافتعالها موضوعات تسلح سوريا وتضخيمها لهوَ فتية بألعاب نارية قرب خط وقف اطلاق النار في الجولان الى درجة شكوى للأمم المتحدة يتضح التناغم الجديد ما بين الاحتلالين الاميركي شرقاً والاسرائيلي على جزء من الارض السورية وهو تناغم يخدم مخططا مشتركا يهدف الى إسقاط (الثمرة دانية القطاف) كما تخيّلها الباحث الاستراتيجي الاميركي جوشوا لانديس، او كما كانت واشنطن ترى سوريا في العام 2004 على حد تعبيره.

- في قديم هذا المخطط وجديده استهداف سوريا عن طريق لبنان: تهم بالجملة والمفرق وتشويه اعلامي مبرمج وتضخيم مسألة الشاحنات على الحدود وغيرها بينما الانتهاك الاسرائيلي شبه اليومي لحرمة الاجواء اللبنانية يبلغ حد قصف مرافق خدمية لا يثير مقالة استنكار. لماذا يتجاهلون هذا الخطر الاسرائيلي الماثل احتلالاً لجزء من ارض لبنان وسوريا والمجسد عدواناً صارخاً عليهما وهو يستوجب لفت أنظار العالم وتفعيل العلاقات اللبنانية السورية صوناً لسيادة البلدين وأمنهما، لا أن تدقّ الاسافين التي تضرّ بكليهما. ولئن كان المأمول من الإعلام العربي كله الدفاع عن سوريا فإنه إذا لم يفعل سوى بعضه نربأ به ان لا ينجرّ الى الأبواق، الاميركية الاسرائيلية مفضوحة المقاصد، وأما الواجب المهني فيوجب الموضوعية وذلك أضعف الإيمان.

لماذا لا ينتبه الساسة والاعلاميون في جوقة العداء المكشوف لسوريا والمبطن للبنان الى ما تُبديه بعض مراكز الأبحاث الاستراتيجية الأوروبية من تخوّف على لبنان وما يجري في العراق من محاولات فرز طائفي واثني وهي تشير الى بدء تنفيذ الخريطة الجيوسياسية التي تقدّمت بها المنظمة الصهيونية العالمية الى مؤتمر فرساي عام 1919 وتتلخّص بإثارة الانقسامات وتفتيت الكيانات بدءاً من لبنان ومروراً بسورية فالعراق فمصر فالسودان وأما الأردن فقد حجزته تلك الوثيقة (لدولة فلسطينية) مصطنعة.

وحسب موقع <<سيريا نيوز>> (27/6) فإن المراقبين في المراكز الأوروبية المهتمة بالشرق الاوسط يتداولون نص مشروع حول مستقبل إسرائيل حتى العام 2020 أعدّه نحو 250 من الباحثين والاكاديميين والعسكريين والاقتصاديين اليهود وهو يتمحور حول مزاعم امن اسرائيل بايجاد فراغ امني حولها لتملأه بقوتها العسكرية وهو فراغ يتأتى عن طريق إقامة كيانات طائفية على تناحر يريح إسرائيل. وفيما يشبه توصيف الشرق الأوسط الكبير يحدد هذا المشروع المدى الحيوي للأمن الاسرائيلي من الاطراف الجنوبية للاتحاد السوفيتي والصين شرقاً الى افريقيا الوسطى جنوباً فالمغرب.

وأما الهدف الأول والقريب المدى اسرائيلياً فهو سوريا والعراق عبر إشعال الفتنة والنعرات وإثارة الأقليات تحت ستار (الدمقرطة وحقوق الانسان).

ومع تأكيد الخطة على ان ينفذ حكام إسرائيل بنودها كافة حسب المراحل والتوقيت المحددين يلخص البروفسور الاسرائيلي ادم مزور المشرف الاول على هذا السيناريو مرتكزات تلك البنود فإنها تتطلب استغلال كل الظروف الراهنة والضعف العربي والوجود الأميركي في المنطقة لتحقيق ما تصبو اسرائيل اليه.

مع الغرق الاميركي في العراق وغرق شارون في الملف الفلسطيني وإفشاله عملية السلام يبحثون عما يغرقون سوريا به. ولهذا تتكثف الضغوط والتهديدات الاميركية لسوريا بغية تدجينها وقهرها سياسياً؟

بعض المتابعين المدققين يؤكدون البعد الإسرائيلي ها هنا وهم ينوّهون بسعي واشنطن لإبقاء إسرائيل قوة اقليمية عظمى وتالياً إرغام سوريا على تنازلات استراتيجية والتخلي عن جولانها المحتل. وآخرون يتساءلون عمن أعطى الكونغرس حق التدخل في شؤون الدول الداخلية وفي ذهنهم أولاً (قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان) ثم هل ينص الدستور الاميركي على ذلك؟ وماذا عن القانون الدولي ألا ينتهك هذا التدخل أبسط قواعده.

الدكتور محمد الفار (موقع <<الدستور>> الأردنية 2/7) كرّر الكثير من هذه الأسئلة وغيرها قبل ان يشير الى تحريض مسؤول عسكري إسرائيلي ضد سوريا بذريعة تلقّيها شحنة صواريخ روسية ليضيف سؤالا اكثر دلالة عمّن اعطى اسرائيل حق التدخّل والتحريض ضد الدول وهي التي طالت سياساتها وممارساتها أكثر من إدانة وعلامة استفهام فضلاً عن انها متخمة بأعتى الاسلحة وافتكها على مرأى العالم ومسمعه، انه التضليل الاسرائيلي الذي يأخذ بلبّ منظري المحافظين الجدد في واشنطن؟

لكن السؤال الأهم والذي يعد اكثر من ضروري مع التقدير للدوريات أو الكتاب الذين ينصفون سوريا هو: ما المطلوب من العرب في هذه المرحلة التي تستهدف فيها سوريا سيما وانها ليست الوحيدة في الدريئة الاسرائيلية، فمشروع الشرق الاوسط الكبير ينطوي على مرامٍ خفية إسرائيلية التصميم وتكمن وراء تشدّقه بالحرية والديموقراطية؟

وفي وضع كهذا لا يكفي تكاتف الجهد العربي لدرء الضغوط عن سوريا وانما تفعيله بجهد دولي يوقف ما يخطط للمنطقة القابعة على براميل بارود.

ومن يستصعب ذلك ليقرأ انتقادات كيسنجر (ما غيره) لمنظري الإدارة الاميركية في صراعهم الايديولوجي عن الشرق الاوسط الكبير. وهو يتحدّث عن (امبراطورية الهذيان) ومن اأاصوات الأوروبية يعلو صوت الوزير الفرنسي السابق هوبير فيديرين <<إن الأميركيين انتهجوا حيال ما دعوه بالشرق الاوسط الكبير سياسة انتقائية مدمرة وفق مقولة (كن لا شيء وكن ديموقراطياً) فعلى من يقرؤون مزاميرهم؟ واذا كان ثمة من يتخيل (أن السوريين سيرفعون المناديل البيضاء) فليروا مناماً آخر من أضغاث الأحلام.

هل يتناسون قدسية الارض وان جزءاً من أرض سوريا محتل ومن المحال القفز فوق هذا الامر؟ وليسمع ذلك الوزير الإسرائيلي ناتان شيرانسكي الذي كتب بخبثه <<إلى السوريين: من فضلكم انسوا الجولان>>، الخبث لدى شيرانسكي يتأتى من تجاهله ان ساسة اسرائيل خبروا المحرمات والمقدسات السورية كما خبروا عمل سوريا في الضوء فهي لا تخفي ثوابتها، وذلك فالمرونة والواقعية السورية لا يمكن أن تطال هذه الثوابت وللعقلاء في الادارة الاميركية الا يتجاهلوا ذلك والا ينساقوا وراء التضليل الإسرائيلي. وأما الدور العربي في مواجهة المخطط الذي يستهدف تفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها بعد دس إسرائيل زوراً في مكوناتها فيجب ان يتصدّره الادراك اللبناني السوري وتعاون البلدين على نزع اي لغم من طريق علاقتهما وهي علاقة شراكة كما ينبغي في مواجهة الخطر الاسرائيلي وقد نادى بهذه الشراكة مفكر الكيان اللبناني ميشال شيحا منذ منتصف القرن الماضي يوم كانت ملامح هذا الخطر تلوح في الأفق، ولما يتجسد بعد في اعتداءات واحتلالات بهذا الحجم الخطر. لكن الأهم تعزيز الوحدة الوطنية في لبنان كونها هدفاً إسرائيلياً باستمرار، ولا سيما في هذه المرحلة من الاستحقاقات التي يواجهها لبنان.

مصادر
السفير (لبنان)