«الخطوة التالية: سورية» في رأي الكاتب المحقق الأميركي جاستن ريموندو، فهو كتب مقالاً توكأ فيه على ما يبث المحافظون الجدد من تحريض على سورية، وقال انه لا يستبعد «حادث حدود» بين القوات الأميركية في العراق والقوات السورية يؤدي الى توسيع حرب «التحرير» في الشرق الأوسط.

ريموندو من أبرز الخبراء في عصابة اليمين المتطرف، داخل الادارة الأميركية وحولها، ورأيه لا يمكن أن يهمل بسهولة، وهو يرى ان العصابة تحاول استغلال اغتيال الرئيس رفيق الحريري لإلصاق التهمة بالنظام السوري، فيما تزيد اسرائيل الضغط على الولايات المتحدة لاسترجاع نفوذهما المشترك في لبنان، وسيكون احتلال سورية بحجة تحريرها، استكمالاً لخطة اسرائيل الدائمة بتدمير الدول العربية التي تهددها، وهي خطة رأينا أولى نتائجها في العراق.

اتفق مع ريموندو على ان المحافظين الجدد يريدون ان تحتل الولايات المتحدة سورية، كما انهم يدفعونها نحو ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية، إلا انني لا أعتقد بأن ادارة بوش قادرة على خوض حرب جديدة بعد العراق، فإن كانت لغزو العراق حسنة واحدة فهي انها أوقفت المغامرات العسكرية الاميركية الى حين.

كان يفترض ان تكون القوات المسلحة الأميركية قادرة على خوض حربين في وقت واحد، ولكن ما حدث في العراق بعد الاحتلال أضعف هذه القدرة كثيراً، والجنرال باري ماكافري، وهو الآن استاذ في الكلية العسكرية في وست بوينت، كتب في «وول ستريت جورنال» ان المؤسسة العسكرية الأميركية «في سباق مع الوقت» وانها «بدأت تتفكك».

باختصار، الشباب الأميركيون لا يريدون الانخراط في القوات المسلحة، وقد أعلن الجيش الاميركي ان جهد التجنيد فيه هو 40 في المئة تحت الأرقام المطلوبة. ومع تشكيل الحرس الوطني للجيش ثلث الجنود الأميركيين في العراق، فإن الحرس الوطني اعترف بأن جهوده للتجنيد كانت دون الحد المطلوب على مدى تسعة أشهر متوالية.

الخبراء العسكريون الأميركيون يقولون ان الجيش لن يجد الأعداد المطلوبة، والجنرال بيتر شوميكر، رئيس أركان الجيش، يعترف بأن السنة المقبلة ستكون أصعب مع حاجة الجيش الى 80 ألف جندي جديد.

اكتب نقلاً عن معلومات أميركية خالصة، والقارئ العربي لن يقدر مدى حرج الوضع حتى يعرف كم هي الاغراءات المعروضة، فهناك علاوة بمبلغ 90 ألف دولار، بمجرد الانضمام، منها 20 ألف دولار نقداً و70 ألفاً على شكل فوائد، مع الغاء القروض التي أخذها شبان أميركيون كثيرون ليدفعوا نفقات دراستهم الجامعية.

كل ما سبق لا يفيد، وكان السود يشكلون ربع المجندين الجدد سنة ألفين، فهبطت نسبتهم الآن الى 14 في المئة. وهبطت نسبة النساء من 22 في المئة الى 17 في المئة خلال الفترة نفسها. بل ان المجندين من غير الأميركيين تراجعت أعدادهم، فهناك 30 ألف جندي غير أميركي من مئة بلد، أو نحو سبعة في المئة من المجموع. وثلث هؤلاء من أميركا اللاتينية، وأمامهم جميعاً اغراء اضافي. فالجندي المهاجر الذي ينضم الى الجيش الأميركي يمنح الجنسية فوراً من دون ان يدفع نفقات التجنيس، وهي عادة بمئات الدولارات.

وإذا كان ما سبق لا يكفي، فإن الاحصاءات العسكرية تظهر ان 30 في المئة من المجندين الجدد يتركون الخدمة العسكرية خلال ستة أشهر. وبلغ من عمق الأزمة ان الكاتب المتطرف ماكس بوت اقترح ان تجند الولايات المتحدة مرتزقة من الخارج تحت شعار «دافعْ عن أميركا، إصبحْ أميركياً».

أتوقف هنا متجاوزاً العراق وسورية وإيران لأسأل كيف تستعمل القوات المسلحة الأميركية؟ الادارة الأميركية تقول انها تخوض، أو تقود، حرباً على الإرهاب في العالم كله. والحرب بدأت على أفغانستان لتدمير القاعدة، غير ان قادة الإرهاب من القاعدة لا يزالون احراراً، وهناك معلومات رسمية أميركية عن العزم على الانسحاب من أفغانستان السنة المقبلة، مع ان الرئيس هناك لا يستطيع ان يتحرك من دون حماية اجنبية، ثم جاءت الحرب على العراق، فلم يعثر على اسلحة دمار شامل، وأصبح العراق مسرحاً لإرهاب لم يعرفه أيام صدام حسين، وزاد الإرهاب حول العالم.

الآن تحول الهدف الى نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط، غير ان المثال العراقي غير مشجع بالمرة، ولا يمكن ان تجد الولايات المتحدة تأييداً من أي طرف غير اسرائيل لضربة عسكرية لسورية أو المنشآت النووية الايرانية. ولكن إذا كانت الضربة هذه أو تلك خارج حيز التفكير، فلماذا القلق من مستويات التجنيد في الجيش الأميركي؟ القلق مفهوم فقط اذا كان في الادارة من يخطط لحرب أو يستعد لاحتمال الحرب، والسفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاد، وهو من المحافظين الجدد الذين وقعوا رسائل تطالب بحرب على العراق قبل إرهاب 11/9/2001، لم يستبعد في حديث عن سورية عملية عسكرية، وقال ان كل الاحتمالات قائم.

لا أدري اذا كان تهديد السفير حقيقياً أو لمجرد التخويف، ولكن تابعت بقلق ما نشر قبل أيام عن وثيقة لوزارة الدفاع باسم «مبدأ العمليات النووية المشتركة» تعدل وثيقة سابقة عمرها عشر سنوات وتبيح استخدام أسلحة نووية ضد الإرهابيين لمنعهم من استخدام اسلحة دمار شامل ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.

هل سبب هذا التفكير عدم القدرة على شن حربين تقليديتين في آن واحد؟ الولايات المتحدة هي البلد الوحيد في العالم الذي استخدم اسلحة نووية، وأرجو ألا نعيش لنرى «اليوم التالي» لضربة نووية أميركية جديدة.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)