يوم الاثنين، 19 أيلول، قدّم لبنان، في شق منه، استعراضاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقد لبنان، في شق منه، اجتماعاً سيترك تأثيراً جدياً على مستقبله. لقد كان أول من أمس ذروة المشهد الذي بدأ بتكاثر الوفود المتوجهة إلى نيويورك، والتي قيل، منذ اللحظة الأولى، إنها ستلقى استقبالاً متفاوتاً بين تنظيم المقاطعة وتنظيم الرعاية.

إلا أن ما جرى في تلك اللحظات الكثيفة يسمح برسم صورة عن تعقيدات الوضع اللبناني وعن كيفية التعاطي الدولي معه. عن كيفية التعاطي في هذه اللحظة التي يقال عنها <<تأسيسية>> بما يعنيه ذلك من محاولة إسدال الستار على مرحلة يمثلها الرئيس إميل لحود، وافتتاح مرحلة تمثلها الحكومة الجديدة (كلها؟). ؟ خطاب لحود: الخطاب الذي ألقاه الرئيس اللبناني أمام الجمعية العامة يتشكّل من ثلاثة مستويات. يمكن القول إن الأول منها هو <<الاشتباك>> المتدرّج مع السياسة الخارجية الأميركية في ما يخص قضايا ذات علاقة بدور الأمم المتحدة، ومشكلة الفقر، وأسباب الإرهاب، وأزمة الشرق الأوسط، ومسؤولية الاحتلال الإسرائيلي، وطبيعة الاعتداءات الصهيونية على لبنان، والدفاع عن المقاومة... إنه اشتباك متدرّج بمعنى أنه يصل، في نواح منه، إلى تمييز الموقف اللبناني جذرياً عن الموقف الأميركي بما يفسّر جزئياً، ربما، الاستياء والمقاطعة. أما المستوى الثاني فهو <<الالتفاف>> وقد ظهر خاصة في تجنب ذكر القرار 1559، وفي التأكيد على <<احترام الشرعية الدولية>> وفي تقديم <<الحوار الداخلي بين جميع المجموعات اللبنانية>> بما <<يكفل للبنان أمنه ووحدته واستقراره ودوره>>. إنه <<التفاف>> لا يلغي أن الخطاب ميّال إلى تبني موقف سلبي من القرار المذكور. المستوى الثالث هو <<فك الاشتباك>> مع المزاج الدولي (واللبناني) عبر استنكار جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وامتداح تقدم لجنة التحقيق <<على طريق كشف الحقيقة>>، ودعم الحكومة اللبنانية وطلب دعم مشاريعها الإصلاحية. ؟ خطاب السنيورة: الواضح في الخطاب الذي ألقاه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أمام لجنة دعم لبنان أنه خطاب من مستوى واحد. لقد أراد الرجل، وهو في موقع طلب الدعم، أن يركز على ما يوحي باندراج الحكومة في المزاج العام للدول والمؤسسات المعنية وبينها أربع دول ذات عضوية دائمة في مجلس الأمن إضافة إلى دولتين عربيتين مركزيتين إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البنك الدولي. قال لهم السنيورة ما يعتقده وما يعرف، بالتأكيد، أنهم يحبون سماعه: التمديد المثير للجدل للرئيس لحود، الاغتيال، 14 آذار، انسحاب القوات السورية، حاجة اللبنانيين إلى الاستقلال (عن سوريا) والسيادة وحماية الديموقراطية والحرية، الرغبة في الإصلاح، الإجراءات المتخذة للتغيير السياسي والديموقراطي، التحوّل في أوضاع القضاء والأمن... إلى ذلك أطلق الرئيس السنيورة وعوداً حول المزيد في مجالات الأمن والإدارة وأفاض في استعراض جوانب <<الإصلاح الاقتصادي>>.

وبما أن الخطاب يلقى أمام من يتجاوز اهتمامهم <<الساحة>> اللبنانية أكد السنيورة أن <<أي نجاح في لبنان سيحمل تأثيراً إيجابياً إلى المنطقة>> وأن <<ما يحصل في لبنان يلهم شعوب المنطقة والعالم أجمع>>. بكلام آخر أعطى ل<<النجاح>> اللبناني بُعداً إقليمياً يجعله جزءاً من النجاحات التي ترغب فيها الدول الحاضرة. لقد كان واضحاً أن السنيورة تجنّب أي نقطة احتكاك مع الحاضرين. لم يشر إلى أزمات المنطقة المحيطة بلبنان ولا إلى المسؤوليات عن ذلك، لم يأت على ذكر الصراع مع إسرائيل، وغابت المقاومة عن خطابه. قد يقول قائل إن هذا المنتدى ليس هو المناسب لعناوين شائكة من هذا النوع. هذا اعتراض وجيه. ولكن ثمة اعتراضاً على هذا الاعتراض. إن مَن يذهب في لعبة الإغراء إلى هذا الحد قد يجد نفسه مواجهاً بتجاوب لا يرغب فيه كثيراً في الحقيقة!

البيان الختامي: استعاد البيان الختامي ما جاء في خطاب السنيورة من عرض لإصلاحات ومن وعود بإصلاحات وتبناه ووعد بدعمه. ليس ذلك غريباً. فالإصلاحات المنفذة أو المقترحة لا تتعارض مع برامج وأفكار وخطط الدول المعنية من غير أن يعني ذلك أنها ليست نابعة من طموحات أصلية لدى رئيس الحكومة عبّر عنها، سابقاً، في البيان الوزاري وفي تاريخ ممارسته أدواره السابقة. غير أن البيان الختامي لم يكتفِ بما تقدم. فنحن أمام دول لا تحب معاملتها وكأنها <<جمعيات خيرية>>. لقد فاض البيان عمّا طالب به السنيورة. ويمكن، في هذا السياق، التوقف عند العناوين التالية:
-تحدث البيان عن <<تنسيق الجهود الرامية إلى إصلاح الأجهزة الأمنية لتأكيد استقلالية القضاء...>>. ومن الممكن أن نشتم من ذلك رغبة في دور ما لإعادة بناء الأمن والقضاء (عطفاً على إشارات سابقة من بيتر فيتزجيرالد وديتليف ميليس). مَن يرسم حدود هذا الدور؟

- عبّر البيان عن صمود المجتمع الدولي <<في تصميمه لضمان توقف اللاعبين الخارجيين عن تدخلاتهم>>. إذا كان ثمة أحجية في هذه العبارة تطال هوية <<اللاعبين الخارجيين>> فإن حلها سهل. الجواب لدى الدول الغربية هو أن <<اللاعبين الخارجيين>> هم: سوريا. لكن الاسم سقط لعدم إحراج اللبنانيين.

- نطق البيان باسم المجتمع الدولي الداعي إلى التزام اللبنانيين ب<<الاستقرار الإقليمي وفقاً لقرار مجلس الأمن 1559>>. إن ما تجنّب الرئيسان لحود والسنيورة ذكره ورد في البيان من دون طلب لبناني، وورد بصيغة دالة تربطه بالاستقرار الإقليمي لما في ذلك من صلة بسلاح المقاومة وإسرائيل.

-إلى ذلك دعا البيان إلى <<اعتبار الحكومة اللبنانية صاحبة السلطة الوحيدة فوق جميع أراضيها>>، أي أنه دعا، ولو من دون تسمية، إلى تطبيق القرار 1614 وهو صيغة ملطفة بعض الشيء عن 1559.

حاذر المجتمعون تقديم هذه الإضافات بصفتها شروطاً إلا أن ذلك لم يمنع ربط المساعدات الدولية ب<<أولويات برنامج الإصلاح اللبناني>> التي يفترض فيها أن <<تحضّر القاعدة>>.

كلمات الوفود: في المؤتمر الصحافي، عقب الاجتماع، توالى رؤساء الوفود على الكلام. طالب كوفي أنان ب<<الاستقرار السياسي وفقاً للقرار 1559>>. تجنّب فيليب دوست بلازي الإشارة إلى القرار ليعتبر الأولوية ل1595. خلط جاك سترو بين القرارين مشدداً على تطبيقهما معاً. لم يقل الباقون سوى كلام عام. أما كوندليسا رايس... تولت وزيرة الخارجية الأميركية وضع الاجتماع في إطاره. لنقل إنها تولت شرح مضمونه وصلة ذلك بسياسة الدولة الأكثر نفوذاً بين الحاضرين. دعت إلى تعاون سوريا مع لجنة التحقيق. كرّرت المطالب الأميركية حيال دمشق والتي تتجاوز العنوان اللبناني. وحسمت في أن لبنان موجود <<في إطار سياسي مختلف عن السابق>> وأن هذا الإطار يفرض حواراً بين اللبنانيين أنفسهم وأنه <<من نافل القول إنه لا ديموقراطية ما دام بعضهم من داخل الحكومة يحاول إبقاء خيار العنف>>.

ربما كانت الجملة المفتاح في ما قالته رايس هي: <<أعلم أن الحكومة اللبنانية تسعى إلى تحقيق بداية جديدة بناء على القرار الذي أعطى لبنان بداية جديدة>>. والمعنى واضح. أن لبنان الجديد مدين للقرار 1559 ومن واجبه أن يسدد الدين تنفيذاً للقرار المذكور. الآلية فقط متروكة للبنانيين لكن الغاية واضحة. رايس تعلم ذلك وتضيف بتواضع <<أعتقد أن الحكومة اللبنانية تنوي أن تفي بالتزاماتها كاملة>>. أما ما هي هذه الالتزامات فالجواب عند الوفد (الثاني) إلى نيويورك.

إن كلام رايس هو رئيس الكلام.

في خلاصة اليوم النيويوركي الطويل يمكن القول:

-إن اجتماع دعم لبنان تجاوز الاقتصاد كثيراً ليقدم نوعاً من خطة عمل دولية عربية لبلد يقال إنه في <<مرحلة تأسيسية>>.

-إن الرعاية الدولية (هناك من يقول الوصاية) تتبنى الحكومة، ولو بتحفظ على بعض أعضائها، وتتجاهل الرئيس.

-لم يضع الاجتماع شروطاً على لبنان وإنما اقترب كثيراً من ذلك.

-إن الضغط الدولي يرمي إلى دفع الحكومة نحو تجاوز حدود الانتداب المعطى لها عبر الثقة على بيانها الوزاري. وتكفي مراجعة سريعة لهذا البيان لاكتشاف التباين بين بعض مضامينه وبعض ما ورد في <<البيان الختامي>>.

-إن المؤتمر حلقة وسطى بين مرحلة ترفض أن تنقضي ومرحلة تحاول أن تبدأ.

-إن المؤتمر، في جانب منه، حاجة لبنانية. لكنه، وهنا الخطورة، حاجة أميركية في ظل تعثر سياسات في العراق وفي الداخل وفي ظل التوقع الراجح بعودة الحماوة إلى النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

مصادر
السفير (لبنان)