وصل أرييل شارون إلى الأمم المتحدة قادماً إليها من الأسطورة والخرافات، ألقى خطاباً أكد فيه عزمه على ضم أراضٍ جرى احتلالها حرباً، وعاد مودعاً بمثل ما استقبل من حفاوة.

وصل محمود أحمدي نجاد إلى الأمم المتحدة قادماً إليها من <<الأصولية المتشددة>>، ألقى خطاباً أكد فيه عزمه على الاحترام الحرفي والدقيق للمواثيق الدولية، وعاد مودعاً بمثل ما استقبل به من عداوة.
هذا هو عالم اليوم.

إنه عالم يريد لمواطنيه أن ينسوا جوهر الخلاف بين الدول الغربية الكبرى وبين إيران. إنه خلاف يدور، حصراً، حول البند الرابع من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. فهذا البند يسمح للدول المنضمة إلى المعاهدة بأن تمتلك الدورة التكنولوجية الكاملة ويلزم (نعم، يلزم) الدول النووية أصلاً بمساعدتها وتقديم العون التكنولوجي إليها طالما أنها خاضعة لأحكام المعاهدة المانعة تحويل أي برنامج نووي سلمي إلى عسكري.

إذا اعتمدنا المعاهدة مرجعاً فإن إيران تربح قضيتها أمام أي محكمة. ولكن مَن قال إن للعدل مكاناً في علاقات الدول قد يكون هذا هو الخطأ الذي ارتكبه أحمدي نجاد. فلقد عاد إلى بلاده مطمئناً إلى أنه قدم مرافعة دامغة. ولو أنه استمع إلى تصريحات المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان، ولو أنه قرأ كتابات كبريات الصحف الغربية الجادة، أي لو أنه تابع، في اليوم التالي، آثار خطابه في الأمم المتحدة لكان اعتبر أن المهمة لم تنجز. على العكس، هناك مَن أكد أن إصراره على احترام الشرعية الدولية سيجعله يدفع ثمناً غالياً.

قصة <<الملف النووي الإيراني>> بسيطة. انضمت طهران إلى المعاهدة، وقّعت، فوق ذلك بروتوكولاً يسمح بالتفتيش الفجائي، أخضعت منشآتها لكل ما أمكن للمجموعة الدولية أن تخترعه من إجراءات... إضافة إلى ذلك أوقفت، طوعاً، تخصيب اليورانيوم في انتظار عرض من <<الترويكا>> الأوروبية.

قدّم الأوروبيون اقتراحهم، في تزامن مع تغيير رئاسي إيراني، فرُفض وقاد الرفض الإيرانيين إلى الإعلان عن النية في معاودة التخصيب، وأرفقوا ذلك بالاستعداد لعرض اقتراح من قبلهم. استمر التفاوض متقطعاً إلى أن ألقى أحمدي نجاد خطابه في الأمم المتحدة. وفي هذا الخطاب استعاد الرئيس الإيراني فكرة سابقة تقول بإشراك الأوروبيين والأميركيين، قطاعاً عاماً أو خاصاً، في البرنامج بما يضمن <<رقابة>> مباشرة على سلميته. جاء الرد الرافض صاعقاً، وقاطعاً، ومشدداً على أن إيران تتعمّد الاستفزاز.

لم تنهِ الجمعية العامة للأمم المتحدة أعمالها إلا وكانت <<الترويكا>> صاغت مشروعاً لتقديمه أمام وكالة الطاقة يطالب بإحالة الملف إلى مجلس الأمن، أي، عملياً، للبدء في البحث بالعقوبات التي يمكن فرضها. وبالطبع ردت إيران بأن ذلك سيدشن أزمة تدفعها إلى التراجع عن بعض التزاماتها السابقة، كما إلى الاستخدام الجزئي لسلاح النفط.

الأزمة مفتوحة إذاً وحكّام الوكالة الذرية مطالبون برأي في ظل انقسامات حادة بينهم وفي ظل ضغط أميركي متعاظم لتصعيد المواجهة.
... وفجأة دخلت كوريا الشمالية على المشهد عبر إعلان رسمي عن قرارها بالتخلي عن كامل برامجها النووية العسكرية. واتضح أن الاقتراح صيني المصدر ويتضمن مقابل التخلي الكوري تقديم ضمانات أمنية متنوعة، ومساعدات اقتصادية، وعون لبرنامج
نووي سلمي. وهكذا أمكن إنقاذ مفاوضات كادت أن تنهار خاصة أن الرئيس جورج بوش اندفع نحو الموافقة مقدماً <<تنازلين>> هما الضمانات والقبول ببرنامج سلمي كانت واشنطن مصرة على حرمان بيونغ يانغ منه.

وجد بوش نفسه مكشوفاً عن يمينه (نعم، يمكن لذلك أن يحصل) واتهم بأنه يبحث عن إنجاز بأي ثمن في ضوء التعثر في العراق، ومرحلة ما بعد <<كاترينا>>، والتصاعد في الأزمة مع إيران. اتهم، أيضاً، بأنه سارع إلى الموافقة على عرض غامض يسمح لكوريا بالمراوغة. فلما حاول تشديد موقفه رد الكوريون بالمثل فتعقّدت المفاوضات مجدداً من غير أن تنهار.

المثال الكوري يخدم إيران لغير سبب.

أولاً إنه يدلل على أن توسيع دائرة التفاوض والمتفاوضين أفضل. ويتلاقى ذلك مع فكرة طرحتها طهران وتقضي بضم دول أخرى إلى <<الترويكا>> مثل روسيا، أو الهند، أو جنوب أفريقيا.
ثانياً إنه يشير إلى أن استبعاد الخيارات العسكرية يوفر أرضية أصلح للحوار الذي لا يمكنه أن ينعقد بين إمبراطورية تعتبر نفسها ممثلة <<الخير>> ودول تابعة ل<<محور الشر>>.
ثالثاً إنه يحسم في أن بالإمكان الخروج من المعاهدة، كما فعلت كوريا، ثم تحويل العودة إليها إلى ورقة تفاوضية.

رابعاً إنه يرفع السعر الذي يمكن الحصول عليه. فلقد اضطر بوش إلى الموافقة على اتفاق يشبه ذلك الذي كاد بيل كلينتون يصل إليه مع كوريا قبل عقد من الزمن ومنع من ذلك واتهم، من قبل الجمهوريين، بتعريض الأمن الوطني الأميركي إلى الخطر.

إن هذه الاعتبارات هي، طبعاً، في ذهن الإيرانيين الذين أثبتوا، حتى الآن، قدرة تفاوضية عالية ولو أنهم يواجهون هجوماً سياسياً وإعلامياً عاتياً. وتعزز هذه الاعتبارات الموقف الإيراني الذي دخل في نقطة اللاعودة لناحية الحق في امتلاك التكنولوجيا الخاصة بالدورة النووية الكاملة.

يعني ما تقدم أن الأزمة مفتوحة حتى لو تمّ التوصل إلى مخارج مؤقتة. فهذه المخارج خاضعة لضغط الروزنامة الخاصة بالعتبة النووية. وإذا كان هناك مَن يقدّرها بفترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات فإن سيلفان شالوم، وحده، يرى أنها لا تتجاوز ستة أشهر!

مصادر
السفير (لبنان)