منذ أيام صعدت مع أحد الأصدقاء باتجاه فندق «المونت روزا» غرب دمشق والقريب من نقطة الحدود السورية اللبنانية، حيث بدأ المحقق الألماني ديتليف ميليس رئيس اللجنة الدولية المكلفة التحقيق بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري باجراءات الاستماع الى «الشهود» السوريين وهم عبارة عن ضباط استخبارات سوريين سبق أن شغلوا مواقع ومناصب حيوية في جهاز الأمن والاستطلاع في الجيش السوري في لبنان, يومها لم نستطع الاقتراب الا بنحو ألفي متر قبل باب الفندق، بعد ان منعتنا دورية أمنية من الاقتراب، خصوصا بعد أن تأكدوا أننا صحافيان.

كان الفندق الذي يقع على تل أخضر يبدو شامخا كقلعة محصنة، رغم أن جدرانه طليت بلون زهري، ويبدو أن مواصفات الفندق، البعيد عن دمشق والقابع وسط تلال شاهقة، كانت مناسبة لقيام المحقق ميليس بأخطر وأهم جولاته الشرق اوسطية في اطار المهمة الموكلة له, نقصد الاستماع الى شهادة ضباط أمن سوريين في جريمة هزت الشرق الأوسط.

طبعا قفلنا راجعين نتيجة طيبة قلب صديقي الذي بوغت بسؤال أحد عناصر الدورية الأمنية التي كانت تقطع الطريق على الفندق : «هل أنتما صحافيان؟» فما كان من صديقي الا أن أجاب بنعم، فتم منعنا على الفور وطلب منا الرجوع من حيث أتينا، فخسرنا متعة الوصول الى الفندق من «أجل الحجز لأقرباء لنا في الخارج قبل وصولهم سورية», وهي الكذبة التي خططنا لها طوال الطريق من اجل اختراق «التحصينات الأمنية» والوصول الى المكان حيث السيد ميليس. لكن فيما بعد علمنا أننا مغفلان كثيرا، فالوصول الى الفندق لا يعني أبدا الوصول الى ميليس ومعرفة ما يجري في داخل غرف موصدة وموضوعة تحت المراقبة على مدار اليوم, ويبدو أننا كنا نحلم بخرق جدران التكتم والحذر الرسميين اللذين يواجهان كل الصحافيين والكتاب المهتمين بهذه القضية.

هنا لا بد من القول أن مهمة المحقق ميليس، فرضت في شقها السوري اهتماما خاصا، بل استثنائيا، من قبل شرائح كبيرة من المواطنين، خصوصا وأن المهمة تتعلق بالاستماع «لشهود» سوريين ليسوا بالعاديين، بل هم «شهود» يمثلون جزءا أساسيا من النظام السياسي والأمني الراسخ منذ عقود، وما زال بعضهم يشغل مواقع «حساسة» ومفصلية في هذا النظام, وهذا يحصل للمرة الأولى في تاريخ سورية، والأهم من ذلك أنه يحصل أيضا بعد جملة متغيرات دولية وأخرى اقليمية حول سورية لعل أبرزها الاحتلال الاميركي للعراق وسقوط نظام حزب البعث في بغداد الذي تبعه انشغال سوري دائم بالتهديدات الاميركية، الى متغيرات داخلية يختزلها حراك يقوده مثقفون معارضون يطالبون بالتغيير الديموقراطي واجراء اصلاحات سياسية.

ورغم الموقف الرسمي الحريص دائما على نفي أي علاقة لدمشق بالجريمة واستعدادها للتعاون مع لجنة التحقيق، الا أن ثمة قلقا عند الجمهور العريض مما ستنتهي اليه اللجنة ومهمة ميليس «السورية»، خصوصا وأن شكوكا بالتسييس بدأت تزداد، رسميا وشعبيا، على خلفية وجود «خطة» أو «مؤامرة اميركية» تستهدف سورية من مدخل جريمة اغتيال الحريري, وما يكرس مثل هذه الشكوك ما حصل في العراق من مقدمات سبقت احتلاله!.

ويظهر القلق خلال اللقاء مع «الرسميين» الذين يحرصون على عدم التفوه بأي كلمة لها علاقة بمهمة ميليس خوفا من أن يساء فهمهم، أو خوفا من التأويل.

على الضفة الأخرى فهمت من أحد المسؤولين السوريين، أن الحذر وعدم الرغبة في وجود الصحافيين وبالتالي اختيار مكان بعيد عن متناولهم وآلات تصويرهم، هو مطلب لجنة التحقيق وليس فقط اجراءات سورية, وهذا يتفق مع التقارير التي تحدثت عن القاضي الالماني الذي حقق في قضايا «ارهاب» كثيرة لسنوات عدة وبلغت أوزان ملفاتها مئات الكيلوغرامات، لكنه لم ينطق خلالها الا ببضع كلمات قليلة! هذه الحيطة من «الثعلب» الألماني تبدو مبررة نتيجة طبيعة عمله، عكسنا نحن الصحافيين العرب الذين غالبا ما نحاول أن نبدو «فهمانين» بكل شيء وبالصوت الملآن, ذكرني ميليس بندوة في برلين دعيت اليها من قبل مؤسسة ألمانية تتبع لحزب الخضر في أبريل الماضي أنا ونائب حركة اليسار الديموقراطي في لبنان الأخ زياد ماجد، ووقتها أذكر أننا خلال اللقاءات التي أجريناها مع العديد من المهتمين الألمان لم نبخل بالقول بكل ما نعرف عن العلاقة السورية اللبنانية منذ عشرات السنين، وصولا الى ما انتهت اليه، ولو كنا نعرف ان ميليس سيفعل بنا هكذا وسيقتلنا بصمته، لكنا فعلنا بجماعته وأهله مثله تماما, أي لذنا بالصمت واكتفينا بالسياحة والتجوال في مدينة برلين.

في 26 نيسان الماضي كنت على نقطة الحدود السورية اللبنانية في جديدة يابوس، وكنت أتابع «صحافيا» خروج القوات السورية من لبنان، في ذلك اليوم رأيت للمرة الأولى العميد رستم غزالة، رئيس جهاز الاستخبارات السورية في لبنان، وقتها استقبله بعض السوريين بالورود، ورأيت أحد الممثلين السوريين يأخذه بالأحضان, اليوم أقول ان الممثلين، بل بعضهم، يتقنون التمثيل ولا يفقهون بالسياسة، لأني أستغرب ما يجمع رجل أمن و«فنان»، لكن بعضهم أخبرني أن «جرحا» أصاب الجميع لحظة الخروج المذل للجيش السوري من لبنان يومذاك بفعل الضغوط الدولية على سورية من مدخل جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري, ولهذا السبب حصل العناق ورميت الورود.

في 12 مايو الماضي رأيت اللواء غازي كنعان في مطار دمشق الدولي وكان في عداد الوفد السوري الذي استقبل ولي العهد السعودي وقتها «الأمير» عبد الله خلال زيارة له لم تتجاوز ساعتين ولم تتعد مطار دمشق الدولي، يومها الأجواء كانت ملبدة بجريمة الاغتيال، وحين دلف الرئيس بشار الأسد و«الأمير» عبد الله الى صالة شرف المطار بقي غازي كنعان خارجا و اجتمع عدد من مراسلي الصحف حول الرجل من أجل أخذ تصريحات منه، لكنه فضل السلام عليهم بالمصافحة من دون الكلام، كانت يده ملساء وناعمة جدا، رغم أن تقارير ومعلقين وصفوه بأنه كان يوما «الحاكم الفعلي» للبنان و«الرجل الحديدي». مهما حصل فسيأتي يوم نتذكر فيه رجالا، أو ربما لا نتذكرهم، مثل ميليس، الحريري، كنعان، غزالة,,، لكن أمكنة بذاتها ومدنا دافئة ستبقى حية الى الأبد، وستظل تنبض بالحب مثل دمشق، بيروت,,, مهما حصل.

مصادر
الرأي العام (الكويت)