ما الذي يحمل على الاعتقاد أن التيار العلماني أيا كان قادر على فتح آفاق المستقبل؟!! وما هي القوة التي تدفعنا نحو التشبث بقدرة الوميض النهضوي على تحريرنا من صرخات القرون الوسطى؟!! حتى الآن لم يُظهر الذين يتبنون أفكار "النهضة" .. أو أي شيء يلامس هذا المفهوم قدرة على التحرر من غضب القرون الوسطى .. وحتى الآن يجتمع رعاة "النهضة" للتفكير بطوباوية "المسيح المنتظر" و "الفردوس المفقود"، ثم يختلفون حتى أقصى درجات العنف على أصغر التفاصيل.

لم نشهد حتى اليوم منذ نهاية فورة الاستقلال الإبداع الذي نحلم به من "التنوير" .. وتحول النص التنويري إلى لون من المقدس .. وإذا كانت هذه اللحظات مليئة بانتكاسات الماضي والحاضر، فإن أصحاب الهم العام ينتقدون أحيانا "قوانين الطوارئ" أو انتهاكات الحريات العامة، ثم يبرعون في خلق انشقاقات حتى ولو كانت على سوية مدينة واحدة. من حق الجميع انتقاد "الطوارئ" والتمسك بـ"حقوق الإنسان"، وحتى الحلم بـ"نهضة سورية" ولكن .. دون أن يعني هذا الأمر استخدام العنف ضد أنفسهم، وتحويل الحلم المستقبلي إلى صورة دوغمائية، وكونتونات مقتصرة على روادها.

من حق أي تيار الحديث عن مطالبه دون أن يصرخ في داخله صوت القبيلة، أو تحويل المجتمع إلى شراذم عبر التحصن بالنص حتى ولو كان علمانيا .. ومن حق كافة الأحزاب التي تعمل تحت سقف الوطن وللوطن من أن تعبر عن فرحتها دون أن تصبح احتفالاتها مهرجانا للعنف الداخلي .. يطالها وحدها فقط.

رغم التشتت الذي يفرضه العلمانيون والنهضويون أنفسهم، لكننا مازلنا نتمسك بحلمنا بمستقبل بعيد عن القرون الوسطى .. فالعنف سواء مارسه أبو مصعب الزرقاوي في العراق، أو القوات الأمريكية في الفلوجة، أو حتى أي مجموعة داخل نفسها عبر شجار يفضح زيف التمسك بالعلمنة والنهضة، بينما يعصف في الداخل "حمى الجاهلية" .. فإن العنف يبقى عنفا حتى ولو بقي مستورا ..

لا نحلم إلا بمستقبل لا يحمل "حمى الجاهلية"

مصادر
سورية الغد (دمشق)