معهم حق اللبنانيون "الابرياء" عندما يتوجسون من الاهتمام الفائق بلبنانهم الذي بدأ يبديه ومنذ الاستحقاق الرئاسي اللبناني قبل نحو سنة المجتمع الدولي وزعيمته الاحادية الولايات المتحدة والذي اتخذ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي ابعادا واتجاهات لم يكن يتوقعها احد وخصوصا بعد اهماله الطويل والطويل جدا للبنان وطنا ودولة وشعبا ونظاما وحقوقا وحريات. ذلك ان اهتمام المجتمع المذكور ببلادهم قبل ان تصبح دولة مستقلة وبعدما اصبحت كذلك سواء في القرن التاسع عشر او في القرن العشرين او في السنوات الاربع الاولى من القرن الحالي الحادي والعشرين جر عليها الويلات والمصائب لان الدافع اليه انحصر في مصالح اطراف هذا المجتمع على تناقضها وعلى حساب مصالح "اللبنانيين" مما ادى الى وقوعهم في المآسي والحروب والثورات والانتفاضات ومما حال دون نجاحهم في التأسيس لوطن صلب قادر على مواجهة العواصف والاعاصير والمصالح. والمؤسف انه في كل المرات كان اللبنانيون ادوات للاطراف المهمين في المجتمع الدولي ولاحقا في المجتمع الاقليمي. لكن هل ان الذين يعربون عن خوفهم من الاهتمام الاخير للمجتمع الدولي في لبنان كلهم "ابرياء"؟ والجواب هو طبعا كلا. فالبعض منهم يعتبر هذا الاهتمام المستمر ضربا لوضع اقليمي حليف له مسيطر طويلا على لبنان. وهذا امر مرفوض منه سواء لانه يهدد استئثارا داخليا له بالسلطة او ينهيه وسواء لانه قد يعيد تركيب "الاحجام" اللبنانية بشيء من التوازن اطاحه الوضع الاقليمي المذكور عمليا رغم مراعاته اياه في الشكل وسواء لانه قد يقصي عن السلطة اشخاصا وتركيبات سياسية فاقدين لجذور شعبية عميقة وتاليا يحرمهم متعة الوجاهة والمكاسب على تنوعها. والبعض الاخر منهم يعتبر ان الهدف من الاهتمام الدولي هو اقامة وضع اقليمي – دولي في لبنان مناهض عبر الافساح في المجال لجهات عدة في الامساك بالداخل السياسي الامر الذي ينتج طبقة جديدة من المستفيدين سواء في السياسة او في حقول اخرى.

طبعا لا احد من اللبنانيين ونحن منهم يبرئ المجتمع الدولي والمجتمع الاقليمي من المسؤولية عن كل ما حصل في لبنان في الماضي وخصوصا اثناء الحروب التي عصفت به على مدى نيف و15 سنة وخلال السلم "المغشوش" الذي نعم به بعد انتهائها نيفا و15 سنة. ولا احد منهم مقتنع بان رعايته الحالية للبنان خالية من المصالح بدليل المشكلات المستعصية التي يواجهها هذا المجتمع في المنطقة والعالم والتي يمكن وبضمير مرتاح اعتبار ان قسما مهما منها من صنع يديه. لكن "الابرياء" منهم المؤمنين فعلا بوطنهم والساعين الى استعادة كل مقوماته وثوابته يعرفون ان الاهتمام اليوم ليس اهتمام دولة واحدة مثلما كان يحصل في الماضي. بل هو اهتمام الامم المتحدة ومجلس امنها. ويعني ذلك ان ترجمته الفعلية لاهتمامه لا يمكن ان تكون الا نتيجة تسوية لمصالح كل اطرافه على تناقضها حينا وتلاقيها حينا اخر. ومن شأن ذلك مساعدة لبنان على الحصول على الحد الاقصى من الرعاية او على الاقل اللازم من دون ان يكون مدينا لواحد بعينه منهم الامر الذي يجعله مضطرا للتسديد وربما من مصالحه الحيوية والوطنية ورصيد شعبه. و"الابرياء" منهم يعرفون ايضا ان المجتمع الدولي اليوم لا يقف وراء "شعب لبناني" في مواجهة "شعوب" لبنانية اخرى كما في الماضي القريب والبعيد بل هو يدعم الجميع ويطلب من الجميع العمل معا من اجل مصلحة لبنان وديمومته واستقراره. ولا يناقض ذلك موقفه (اي المجتمع الدولي) السلبي من مظاهر معينة لاحد الافرقاء في لبنان ذلك انه لا يستهدف "الشعب" الذي ينتمي اليه هذا الفريق ويسعى لان يكون جزءا واساسيا من لبنان "الجديد". وقد يكون هذا المجتمع يستهدف امورا عدة تخص الفريق المذكور معظمها اقليمي. لكنه لن يدفعه ابدا ثمن حل هذه الامور بطريقة او باخرى خلافا لما يروج كثيرون. و"الابرياء" منهم يعرفون ثالثا ان حاملي لواء رفض الرعاية الدولية باعتبارها وصاية ليسوا اساسا ضد مبدأ الوصاية. فهم يرفضون استبدال "عنجر" "بعوكر". وهذا يعني تمسكا "بعنجر" واعترافا غير مباشر بوصايتها عليهم وعلى لبنان التي طالما سميتها في "الموقف" ادارتها لهم وله.

في اختصار يوجه هؤلاء اللبنانيون "الابرياء" ومعهم جهات ديبلوماسية عربية ودولية سؤالا، غير بريء بالتأكيد، الى رافضي الرعاية الدولية والاهتمام العربي المستمر بلبنان هو الآتي: لماذا تضيق صدور هؤلاء بالحركة الدولية وبالحركة العربية على "الساحة اللبنانية" ولا تضيق بحركة الديبلوماسية الايرانية التي تسرح وتمرح كأنها من اهل البيت؟

طبعا لا تعكس اثارة هذا الموضوع وطرح السؤال المتعلق به موقفا سلبيا من ايران. فهي ساعدت كثيرا في عملية تحرير الاراضي اللبنانية التي كانت تحتلها اسرائيل. وهي كان لها موقف سلبي من قرارات اساسية تسبب احدها بالتطورات المأسوية التي حصلت في لبنان والتي اوصلته الى حاله الراهنة وهو التمديد للرئيس اميل لحود. وقد عبرت عنه لحليفها الاستراتيجي سوريا صاحبة القرار في ذلك الحين واكثر من مرة. لكنها لم تكن تستطيع ان تفعل اكثر. وايران تستطيع ان تساعد كثيرا في هذه المرحلة. لكن نجاحها يقتضي ضم جهودها الى جهود المجتمع الدولي رغم مشكلاتها المعروفة معه كله او مع معظمه ورغم مشكلتها المزمنة مع زعيمته اميركا. فهل تستطيع ايران القيام بهذا الامر؟

في النهاية نعود الى المعزوفة اياها. اهتمام المجتمع الدولي بلبنان بل رعايته له امران مطلوبان ومفيدان. لكن هذا الاهتمام وهذه الرعاية لن يؤتيا ثمارهما اذا لم يقم اللبنانيون بدورهم اي اذا لم يتوحدوا فعلا لا قولا لان الظروف الدولية والاقليمية قد تتغير او تتطور في اتجاهات عدة متنوعة وقد يؤدي ذلك الى اشغال المجتمع المذكور بقضايا مستجدة اكثر خطرا او الحاحا ولان ذلك مع استمرار تشرذمهم سيسمح قطعا للاوصياء القدامى بمحاولة العودة على استبعاد نجاحهم في ذلك او لاطراف جدد بمحاولة فرض وصايتهم.

مصادر
النهار (لبنان)