مع انتهاء مهمة المحقق الدولي ديتليف ميليس ومغادرته لبنان لكتابة التقرير النهائي الذي سيقدم الشهر المقبل, تنتهي الجولة الأولى من معركة سوريا مع الضغوط الأميركية والدولية, ليبدأ الاستعداد لجولة تالية في أروقة مجلس الأمن..

وبالتالي تنتقل المعركة الأميركية مع سوريا إلى مستوى آخر, ما يتطلب من دمشق أداء مواكباً لمواجهة كل الاحتمالات التي تسعى إدارة الرئيس بوش الى فتح مسارات الضغوط باتجاهها. فما هي الأوراق التي تعيد دمشق ترتيبها استعداداً للجولة الثانية قبل الوصول إلى مجلس الأمن؟

استثمرت الإدارة الأميركية المناخ المتوتر في لبنان, لتركيز الضغط على سوريا, وتمكنت إعلامياً من وضعها في قفص الاتهام, وتسييس الأجواء المحيطة بالتحقيق بغض النظر عن النتائج لاحقاً. فقد تركز الضغط واشتد, فطرحت على البساط فكرة عزل سوريا وفرض حصار دولي عليها, لإجبارها على تقديم المزيد من المساعدة لواشنطن في العراق أولاً, أو لتعليق أسباب فشل القوات الأميركية وتخبطها على عدم التعاون السوري.

ومضت واشنطن باتجاه انقرة لاستخدام علاقتها القوية مع دمشق للضغط عليها, وعادت إلى الواجهة مشكلة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي, متواكباً مع تنشيط العلاقات التركية ­ الإسرائيلية للتضييق على دمشق. وصرح سيلفان شالوم ان «انعقاد اللقاء في تركيا ليس مصادفة, فتركيا قامت بدور مفتاح في إقامة علاقات بين إسرائيل ودول مسلمة أخرى».

إلا أن وزير الخارجية التركي عبد الله غول, أبلغ الأميركيين خلال زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي ومسؤولين أميركيين الى أنقرة الخميس الماضي رفض تركيا «التدخل في شؤون أنظمة الحكم في أي دولة». ونقلت مصادر تركية عن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وعن عبد الله غول تحذيرهما من أن «اللعب مع سوريا سيكون خطيرا جدا وان سوريا ستكون أسوأ من العراق». من جانب آخر, جاء التغير الجزئي في الموقف المصري مع انتهاء معركة الانتخابات الرئاسية في مصر, واطمئنان مبارك إلى استمراره في السلطة بزخم شرعي أكثر قوة, وعادت القاهرة لممارسة دورها المحوري في المنطقة بارتياح, فرفضت دعوات عزل سوريا, على ضوء المعلومات التي حملها الرئيس السوري بشار الأسد في زيارته الى القاهرة, في ما يخص مهمة ميليس في دمشق, وعدم وجود مشتبه فيهم من السوريين, كما اعتبرت أنه من «الخطأ الجسيم التسرع في توجيه اصبع الاتهام الى سوريا», أو «توجيه الاتهام الى أي طرف» قبل أن يرفع ميليس تقريره الى الأمم المتحدة. بل أن الرئيس حسني مبارك امتدح ما أبدته دمشق حتى الآن «من تعاون كامل وبحسن نية», وشجع الرئيس بشار الأسد على «مواصلة التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية»؛ حسب مصادر رسمية في البلدين. كما تحدثت مصادر أخرى غير رسمية عن تحقيق الرئيس السوري لنجاح دبلوماسي في زيارته للقاهرة, حيث اطلع الرئيس المصري على موقفه من الاحتمالات المتوقع أن يفضي إليها تقرير ميليس, فإذا جرى تسييسه باتجاه تحميل سوريا مسؤولية اغتيال الرئيس رفيق الحريري, دون أدلة وإثباتات قاطعة, فإن سوريا لن تستسلم وسوف تقاوم بقوة, والأميركيون يعرفون ما تستطيع سوريا فعله للدفاع عن نفسها. والاحتمال الآخر أن يبقى التحقيق ضمن إطاره القانوني, فإن محاضر الاستجواب التي تحتفظ سوريا بنسخة عربية عنها, بالإضافة إلى تسجيل مصور كما أفادت مصادر خاصة, لا تتضمن ما يشير إلى اتهام سوريا ولا إلى تورط ضباط سوريين. وهذا ما يفسر قول الناطق باسم الرئاسة المصرية إن سوريا عامل مهم للاستقرار في المنطقة, وقد «أبلغت العواصم العالمية المعنية أن زعزعة استقرار سوريا ستكون لها تأثيرات سلبية كبيرة على المنطقة».

و أثمر التحرك المصري باتجاه فرنسا, بزيارة وزير الخارجية فيليب دوست بلازي القاهرة, حيث صرح في مؤتمر صحفي مع نظيره المصري أحمد أبو الغيط بأن باريس لا ترغب في حدوث «أي زعزعة في سوريا», واستبعد «فكرة فرض حصار دولي محتمل على هذا البلد الذي تربطنا به علاقات جيدة», مشيرا إلى ضرورة «تمكن القاضي ميليس من القيام بعمله بكل استقلالية حتى النهاية لكي يتم إقرار العدل والعثور إذا أمكن عن المسؤولين عن اغتيال الحريري».

أسهمت هذه الأجواء في إحداث فسحة لدمشق كي تلتقط أنفاسها, قبل الانطلاق نحو ترتيب أوراق المرحلة التالية على الصعيد الدولي, وإذا صح أن ميليس لم يتوصل إلى «دلائل قاطعة» على دور لسوريا في اغتيال الحريري, انسجاماً مع الاتهامات السياسية التي وجهت اليها, فإن من شأن ذلك قطع الطريق على تأليف محكمة دولية تستكمل أعمال لجنة التحقيق, إلا في حال صدقت المعلومات التي كشفت عنها مصادر دبلوماسية غربية قريبة من ملف التحقيق حسب صحف لبنانية, عن وجود اتجاه قوي لدى لجنة التحقيق الدولية للاستخلاص بأن التحقيقات التي أجريت مع عدد من المسؤولين السوريين «كانت لتتم بشكل أفضل لو أن هؤلاء كانوا مرتاحين أكثر واستطاعوا الحديث بحرية اكبر وأجابوا عن أسئلة المحققين من دون خشية أو حسابات مسبقة». وان اللجنة قد توصي في تقريرها بإعادة الاستماع إلى بعض المسؤولين الأمنيين السوريين الذين ستنقلهم من إطار الشهود إلى إطار المشتبه فيهم, إنما في مكان آخر غير سوريا. كما سبق وأفادت مصادر صحفية أخرى عن ترتيبات لإنشاء المحكمة الدولية تتم بدعم أساسي من روسيا التي أعلنت موافقتها على أن يكون قضاة روس في تركيبتها, وذلك خلال اللقاء الذي جمع في موسكو تيري رود لارسن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولين كبارا في الخارجية الروسية.

إلا أن معلومات أخرى تحدثت عن «مناخ غير موات» في الوقت الحاضر على الأقل في اتجاه صدور قرار جديد عن مجلس الأمن ينشئ محكمة دولية لا دور لها إلا توجيه إدانة مباشرة لسوريا انطلاقاً من الاعتقاد في أن ضلوعاً محتملاً لها في اغتيال الرئيس الحريري.

الاحتمالان يدفعان سوريا إلى السعي للحصول على دعم دولي في مجلس الأمن, وإذا كانت أوروبا أوصدت أبوابها, فإن أبواب الصين وروسيا لم توصد بعد, وإرسال سوريا وفداً عسكرياً إلى روسيا الأسبوع الماضي لإتمام الصفقة التي تم التوقيع عليها خلال زيارة الرئيس السوري الى موسكو بداية العام الحالي, والإعلان عنها رسمياً, رسالة تفيد بأن العلاقات مع موسكو جيدة, ناهيك عن معنى آخر تضمنه خبر سانا «ان وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف التقى رئيس هيئة الأركان العامة للجيش السوري العماد علي حبيب وبحثا في سبل تعزيز التعاون بين الجيشين السوري والروسي, وكذلك في علاقات الصداقة والتعاون التي تربط الجيشين الصديقين وسبل تعزيزها وتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين الصديقين». وأوضحت أن «حبيب وايفانوف عرضا الأوضاع التي تمر بها المنطقة» بالإضافة الى أنباء أخرى عن اتفاق لتحديث سلاح الجيش السوري, ومع أن هذا لا جديد فيه, لكن توقيته بالتزامن مع التهديدات الأميركية المباشرة وغير المباشرة , يأتي لتوضيح الموقف السوري, بالاستعداد لمواجهة الاحتمالات كافة.

على الجهة المقابلة, في الساحة اللبنانية لم تتوقف الشائعات وتقويل الفرقاء المناهضين لسوريا لديتليف ميليس أقوالاً تفيد بتسييس التحقيق ضد سوريا, بالتعاضد مع أنباء من مصادر أمنية لبنانية عن عمليات تسلل للسلاح والمسلحين الفلسطينيين على طول الحدود السورية­اللبنانية. ونقل عن تلك المصادر أن القوى الأمنية المختصة أبعدت نحو ثلاثين فلسطينياً عبروا إلى لبنان بطريقة غير شرعية, حيث رصدت السلطات اللبنانية طوال الأسبوع الماضي حركة فلسطينية غير اعتيادية, وكذلك حركة إدخال أسلحة وعناصر الى عدد من المواقع التابعة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ­ القيادة العامة» بزعامة احمد جبريل, ومن بينها مواقع في السلطان يعقوب ودير العشائر في البقاع الغربي, وكذلك في الناعمة جنوب بيروت, وقيل أيضا إن بعضاً من هذه الحركة رصد في شاتيلا وصبرا. إلا أن أنور رجا عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية القيادة العامة نفى الاتهامات التي وجهها نواب لبنانيون إلى سوريا من أنها تسهل عبور السلاح الكثيف عبر أراضيها إلى المخيمات الفلسطينية. وقال رجا لبرنامج كلام الناس على قناة «أل.بي.سي» اللبنانية, إن السلاح في هذه الخيمات موجود قبل الدخول السوري إلى لبنان. بالإضافة إلى ملف الفصائل الفلسطينية الذي تعمل بعض الإطراف في لبنان على فتحه وإدانة سوريا من خلاله, ومحاصرتها في حال لم تدنها نتائج تحقيق ميليس, في خطوة نحو تجييش دولي لتنفيذ كامل بنود القرار 1559 بما يخص نزع سلاح الميليشيات وحزب الله. إلا أن هذا التوجه ينطوي على خطورة بالغة في تسريع حدوث مواجهة غير محسوبة العواقب, وهي ورقة يمكن لسوريا أيضا اللعب بها إذا اضطرتها الحاجة الى ذلك, وهنا تكمن مغبة زيادة الضغط الأميركي على سوريا, ومحاولة إضعافها, ولعل فرنسا وبعض الأطراف العربية تدرك ذلك جيداً. فقد حذر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الأسبوع الماضي قائلاً, إن موقف الجامعة لا يختلف عن موقف الدول العربية وهو عدم قبول عزل سوريا. أما وزير خارجية قطر حمد بن جبر آل ثاني فلا يعتقد أن سوريا دولة معزولة, وأشار إلى وجود أصدقاء لدمشق في العالم العربي كونها دولة مهمة.

أخيراً, لولا ثقة سوريا من نتائج التحقيق, ما كان لمصادر سورية مطلعة توقع أنه في الأيام القليلة المقبلة ستتريث جميع الأطراف في السير خلف الإدارة الأميركية حتى النهاية.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)