تناولنا في مقال سابق ظاهرة غياب المعايير وانتشار النسبية الأخلاقية في التجمع الصهيوني مما أدى إلى انتشار الفساد والشذوذ الجنسي، وحاولنا تفسير هذه الظاهرة، وفي هذا المقال سنتناول ظاهرة أخرى تصاحب غياب المعايير وهي ظاهرة العنف. وقد ورد في مقال يارون لندن (يديعوت أحرونوت 2 مايو 2005) الوصف التالي للشباب الإسرائيلي: "فوضى، موسيقى صاخبة... وشرب مفرط وسكين في الجيب – هذه هي عناصر المزيج القاتل الذي يفتك بالشبان في نهاية كل أسبوع، ويقطع أجساد عدد آخر غيرهم". كما ورد وصف آخر للوضع داخل التجمع الصهيوني في كتاب الخبير القضائي الإسرائيلي موشيه نجبي المعنون (أصبحنا مثل سدوم: في المنزلق من دولة قانون إلى جمهورية موز): "عصابات الإجرام المنظم تزرع العنف في شوارع إسرائيل، وأذرعها تتغلغل في سلطات النظام الحاكم وتهدد بأن تمس بالديمقراطية من الداخل. قتلة، مغتصبون، أزواج عنيفون، مواطنون عاديون يسامون مر العذاب في غياهب السجون والمعتقلات دونما ذنب اقترفوه، بينما الإعلام الباحث عن الحقيقة، اللاسع، يفقد أنيابه ويأخذ مكانه إعلام امتثالي وفاسق. وأفظع من كل هذا أن سلطات القانون مشلولة تماما حيال التحريض والعنف الديني- القومي، اللذين سبق لهما أن أديا هنا إلى اغتيال رئيس للوزراء" (يتسحاق رابين في 1995). (المشهد الإسرائيلي "في المنزلق إلى جمهورية موز" بقلم أنطوان شلحت، 5 أغسطس 2005). وقد جاء في مقال فراس خطيب (30 مايو 2005) "في المشهد الإسرائيلي" ما يلي: "تعاني إسرائيل في الفترة الأخيرة من حركة جريمة تستشري في النوادي الليلية والأماكن الترفيهية. وقد تفشت ظاهرة حملة السكاكين حتى "أصبح وضع السكين في صفوف الشباب الإسرائيلي عاديا جدا". وقد كتب رافي جينات أحد محرري صحيفة يديعوت أحرونوت أنه يخاف على ابنته، ابنة السابعة عشرة من عمرها، من الخروج لوحدها، بل إنه يرتجف خوفا، وذلك لأن جرائم القتل أصبحت عادة يومية. وأضاف قائلا إنهم حين يتحدثون في إسرائيل عن إفلاس التربية والقانون وعن انهيار القيم والنظام، فإنهم يتحدثون ولا يفعلون شيئا. ولذا طلب جينات من ابنته ألا تخرج من البيت بمفردها!

أصبح العنف في التجمع الصهيوني قضية أساسية تشغل بال المستوطنين الصهاينة (في فلسطين المحتلة قبل وبعد 1967). وقد احتل موضوع العنف الصدارة في العناوين الرئيسية في الصحف الإسرائيلية. وورد في مقال بعنوان "لجنة وزارية خاصة لمحاربة تصاعد العنف في المجتمع الإسرائيلي" (6 مايو 2005 والذي نشر في المشهد الإسرائيلي "مدار") أن وزارة الرفاه الاجتماعي بينت أن عدد الأحداث الذين تم توجيههم إلى دائرة مراقبة سلوك الأحداث في أعقاب ارتكابهم جرائم عنف تضاعف خلال السنوات الأربع الماضية! ويستشف من معطيات الشرطة أن 71 إسرائيليا قتلوا منذ مطلع العام الجاري 2005، في أعمال العنف المستشرية في إسرائيل، مقابل 49 جريمة قتل في السنوات الأربع الماضية. ويعني ذلك ارتفاع نسبة جرائم القتل بنحو 43%.

ومن الغريب أن الصحف الإسرائيلية تنشر بموضوعية بالغة تقاريرها عن العنف المستشري والآخذ في الازدياد، ولكنها حين تحاول تفسير الظاهرة فإننا نجد تفسيراتها ساذجة وسطحية. فيورد فراس خطيب في مقاله في المشهد الإسرائيلي ("جرائم القتل توشك أن تكون عادة في إسرائيل" 30 مايو 2005) أن المراقبين الإسرائيليين يقولون إن "انشغال الدولة في أمور تبتعد عن اهتمامات الشباب يساعد على تفشي العنف". وانتقدت صحيفة يديعوت أحرونوت تعامل المؤسسات المتخصصة مع الجريمة، وانتهت النيابة العامة الإسرائيلية بانشغالها بقضايا تحتل العناوين الصحفية وتتجاهل القضايا الملحة في الدولة. ويحاول عوزي بنزيمان في مقاله "الرؤية الأصولية والقيم العلمانية" (هآرتس 12 يونيو 2005) تفسير ظاهرة العنف و"مخالفات الشباب الجنائية" بقوله إن مكمن المشكلة في الأزمة الاجتماعية النفسية للمهاجرين الجدد. وقد وافقه آخرون يذهبون إلى أن استقطاب إسرائيل لأشخاص من حضارات أخرى مثل روسيا وإثيوبيا أدى إلى وجود مجتمع يعاني من مشاكل تربوية لم تستطع المؤسسات معالجتها (37% من المجرمين من القادمين الجدد إلى إسرائيل). وقد أضاف بنزيمان سببا آخر للعنف فهو حسب تصوره ليس نتيجة نمط الحياة الباذخ كما يدعي البعض، وإنما نتيجة الضائقة الاقتصادية. ومن أطرف التفسيرات ما ورد في مقال يارون لندن (يديعوت أحرونوت 2 مايو 2005) الذي يقول إن العنف الذي يستشري في التجمع الصهيوني نتيجة مباشرة للضجيج والازدحام "نحن متوترون ومتضايقون ونكثر التحدث بلغة الجسد". وكأن إشارات المرور (وليس المقاومة الفلسطينية) هي سبب توتر المستوطنين الصهاينة! وحين يحاول المستوطنون الصهاينة اقتراح حل للمشكلة فإنهم لا يجدون سوى الحل الأمني. فقد أشارت هآرتس إلى أن القائد العام للشرطة الإسرائيلية، سيطلب في جلسة الحكومة المقررة جعل الحرب ضد العنف "غاية وطنية مفضلة". ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت، على صدر صفحتها الأولي (5 يونيو 2005)، رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون، ممهورة بتوقيعات أهالي الشبان والشابات الذين قضوا نحبهم ضحايا لجرائم قتل مروعة في الآونة الأخيرة، وجاء فيها: "نشعر بأنه لو كانت هناك قوة للقانون ولو كانت هناك شرطة قوية، لأدى ذلك إلى ردع المجرمين وإلى عدم بلوغ العنف المستويات الوحشية التي بلغها.. نشعر أن هناك حاجة إلى تغيير كبير في سلم الأولويات القومي.. سيدي رئيس الوزراء أعطِ قوة للشرطة".

ولكن كل هذه التفسيرات والحلول، السطحي منها والعميق، تتجاهل السبب الرئيسي الذي يحاول الصهاينة نسيانه وعدم ذكره وهو أن المجتمعات الاستيطانية مجتمعات مبنية على العنف وأن التجمع الصهيوني الاستيطاني قد جند قواته ليبطش بالمقاومة الفلسطينية ولإذلال الشعب الفلسطيني، وأن هذا الوضع يخلق مناخا نفسيا يجعل العنف آلية مشروعة ومقبولة لحل كل المشاكل. ولا يمكن أن يُطلب من الجندي الإسرائيلي أن يلجأ للعنف والبطش ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بعد 67، وأن يلزم الهدوء ويسلك سلوكا متحضرا في الأراضي المحتلة قبل ذلك التاريخ!

وقد لمس عوزي بنزيمان (في المقال الذي أشرنا إليه) التفسير الحقيقي في إشارة عابرة حين قال: يحذر البعض "من العنف المتفشي في المجتمع الإسرائيلي ولا يسألون أنفسهم عن حقيقة سلوك أبنائهم في المناطق"، أي سلوك الجنود الإسرائيليين في الأراضي المحتلة بعد 1967. ومع دقة هذا التفسير إلا أنه محدود، فمعظم الإسرائيليين الذين ينتقدون الاحتلال والعنف الصهيوني دائما ما يشيرون إلى "احتلال" الضفة وغزة و"عنف" الجنود" الإسرائيليين ضد أهلها، دون الإشارة من قريب أو بعيد إلى الأراضي التي احتلت قبل 67، وكأن الصهاينة استولوا على هذه الأرض بأن أعطوا الفلسطينيين بعض الزهور والحلوى والشربات وطلبوا منهم الرحيل، وكأن دير ياسين وغيرها من المذابح مجرد كوابيس لا يرد لها ذكر إلا في الدعاية العربية، وكأن أعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد لم تقم بتوثيق هذه المذابح. والله أعلم

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)